12 - 11 - 2018

مذكرات حمدي قنديل: عندما تضيء المبادئ طريق الإعلامي لـ"يعيش مرتين"

مذكرات حمدي قنديل: عندما تضيء المبادئ طريق الإعلامي لـ

لم يكن الإعلامي الراحل حمدي قنديل مجرد صحفي أو مقدم برامج أو حتى ناشط سياسي، لكنه كان ظاهرة حقيقية، شاهد على عصر طويل من التحولات، تابعه من مقاعد الإعلاميين، لكنه لم يكتف بالمراقبة، بل كان صانعاً للأحداث، ونجما فوق العادة في كل الشاشات التي أطل من خلالها

السنوات الطويلة التي قضاها في بلاط الإعلام المرئي، والتجارب المتباينة التي خاضها أضفت عليه حنكة وحكمة جعلته يدرك أن أغلى ما يملكه الإعلامي الحقيقي، لا يقاس بحجم ثروته، ولا رعاة برامجه، ولا فخامة الاستوديو، إنما الثروة الحقيقية لأي إعلامي هي ما يتمسك به من مبادئ، وما يصنعه من إضاءة في عقول وقلوب مشاهديه

رحل حمدي قنديل، لكن عبق تجربته المهنية والإنسانية سيبقى طويلاً، وحسنا فعل الراحل الكبير عندما ترك لنا جزءاً حيا من هذا العبق من خلال سيرته الذاتية التي قدم طبعتها الأولي عام ٢٠١٤، ونشرتها دار الشروق في ٥٩٢ صفحة، وهي مليئة بالذكريات التي عاشها خلال نصف قرن تقريبا من العمل الإعلامي والتحرك على ضفاف السياسة في الوطن العربي

مذكرات حمدي قنديل ذاخرة بالشخصيات والأحداث والعبر والدروس لأجيال من الإعلاميين، الذين يحتاجون إلى من يضيء لهم طريقا تزينه المبادئ، وتمنحهم مواقفهم المهنية خلاله احترام جمهورهم ومصادرهم، وتجعلهم شهودا موضوعيين على الأحداث بضمير مهني، وليسوا طرفا في صراعات السياسة ومعارك النفوذ

يبدأ حمدي قنديل سيرته من بيت أسرته الذي يصفه بأنه "بيت يعرف ربنا"، كما يروى العديد من ذكريات الصبا والشباب، لكنه سرعان ما ينتقل إلى انطلاقته الحقيقية في عالم الإعلام وبداية حياته المهنية في التليفزيون العربي - هكذا كان اسم التلفزيون المصري عند انطلاقه فى يوليو 1960- فلم تمر شهور قليلة على بدء الإرسال، حتى طلب منه رئيس تحرير الأخبار بهى الدين نصر أن يقرأ لأول مرة نشرة أخبار التاسعة الرئيسية.

وكان أول منع في حياة قنديل في سبتمبر 1961 بعد عرض الحلقة الخامسة من برنامج "أقوال الصحف"، وقال له رئيس تحرير الأخبار: "الوزير بيقول لك استريح شوية".

وكانت هذه الجملة تدل على غضب السلطة منه، وعلم بعدها أن السبب هو قراءته لخبر يخص الرئيس جمال عبد الناصر في نهاية البرنامج وليس بدايته، ولكنه لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التصرف، بل توجه لمكتب الرئيس، وطلب مقابلة سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات. ويحكي قنديل أنه قال له: "يا سامى بك، أريد أن أعرف من الرئيس شخصيا إذا كان اعترض على إذاعة خبر عنه فى نهاية برنامج"، فضحك سامي شرف وطلب منه الانتظار فى استراحة مكتبه، وبعد قليل ناداه ثانية، وقال: "الريس بيقول لك خد الجرايد وروح على الأستوديو بتاعك على طول من غير ما تكلم حد". وبعد سنوات تكرر المنع من جديد مع قنديل في التليفزيون المصري، وهذه المرة مع برنامج "رئيس التحرير"، وتوقف بعد أن استشعر النظام وقتها قوة معارضته خاصة بعد هجومه الشديد على تخاذل وضعف الحكومات العربية فى انتفاضة 2003 وهجومه الدائم على العدوان الصهيوني على فلسطين.

انتقل بعدها حمدي قنديل إلى الإمارات العربية ليقدم برنامجه "قلم رصاص" عبر شاشة "دبي" لكن البرنامج توقف لأسباب سياسية وقبلها كان تم منعه من قناة "دريم".

وانتقل إلى قناة الليبية لمواصلة تقديم برنامجه وبسببه تم تأميم القناة وتم إيقاف البرنامج من جديد!! ويقول حمدي قنديل في مقدمة كتاب "عشت مرتين"، "سوف أتحدث عن تجربتي دون أن أنزلق إلى إعطاء الدروس.. لن أروى من الوقائع إلا ما رأيته بعيني أو سمعته بأذني، ولن أعمد إلى تبييض صفحتي أو تلويث خصومي.. لي بالطبع أصدقاء طوقتهم دوامة الزمن، كما أن هناك من اختاروا أن يعادوني لأنني أخالفهم الرأي، لكنني أرجو أن أكون منصفا لأصدقائي عادلا مع غرمائي، إذ ليس في نيتي الانتقام، وليست لدي رغبة عارمة في تسجيل هدف في مرمى أحد.

يعرف رفاقي أنني قابض على قناعاتي حتى لو اشتعلت جمرا، لكنهم يعرفون جيدا أنني لا أميل للعراك، كما أنني  دون ادعاء لا أود أو أعمد للإساءة إلى أحد، إلا إذا كان في قول الحقيقة ما يسيء". وتضم المذكرات 26 فصلا، تغطي حقبة طويلة ومهمة من حياة مصر والمنطقة العربية كلها، وصولا إلى ما بعد ثورة ٢٥ يناير، والتي كان قنديل شاهدا مقربا من كواليسها، بحكم عضويته في الجمعية الوطنية للتغيير، وقربه من محمد البرادعي في الفترة الأولى لقدومه إلى مصر، لكن قنديل يطرح في مذكراته رأيا سلبيا في البرادعي وأدائه السياسي والإنساني على حد سواء، فهو متردد ومعزول ولا يجيد التواصل إلا من خلال “تويتر”. وبالإضافة إلى الذكريات السياسية، لا تخلو المذكرات من أمور إنسانية، لعل أهمها قصة زواجه من النجمة نجلاء فتحي، والتي يقول أته لم يوفها حقها في تلك المذكرات، وأنه بحاجة إلى كتاب مستقل للحديث عما منحته لحياته.

ويشير إلى أنه بعد تعارف بالمصادفة مع نجلاء فتحي وأسرتها، فوجئ بأنها تطلب الزواج منه، فقد اتصلت به في صباح أحد الأيام لتخبره: «أنا هتجوزك النهارده!»  ويحكي حمدي قنديل الموقف فيقول: أخذت أردد دون أن أدرى: «عظيم عظيم»، فباغتتنى بسؤال عملى: «إنت مش معاك بطاقة؟»، قلت إننى لم أستخرج بطاقة شخصية بعد، فطلبت منى أن أذهب إلى منزلها فى الخامسة بعد الظهر ومعى جواز السفر، «موافق ولَّا حنرجع فى كلامنا؟.

أهم الأخبار

اعلان