12 - 11 - 2018

فقراء الحالات الحرجة في مصر .. لا "رعاية مركزة" لهم ولا بواكي عليهم

فقراء الحالات الحرجة في مصر .. لا

بعد جولة "المشهد" في عدد من المستشفيات الحكومية والخاص
لا "سرير" عناية فائقة فى مستشفي حكومى .. والمستشفيات الخاصة فى متناول الأثرياء فقط

"الغلابة" يطالبون وزيرة الصحة بالتخفى والنزول للمستشفيات الحكومية لمشاهدة الكوارث

الخط الساخن التابع للوزارة "فنكوش" ولا يستجيب .. وجثث متعفنة في المشرحة

بنظرة بسيطة الى الواقع والحقيقة والبعد عن الخيال، سنرى أن غرفة الرعاية المركزة فى الإنعاش، وانها أصبحت للفقراء صعبة المنال، مع العلم انها تعنى الحياة أو الموت، فهى اللحظات الحاسمة فى حياة المريض، دقائق معدودة فيها قد تباعد بينه وبين حدوث الوفاة، لهذا تأتى غرف الرعاية المركزة فى قمة hهتمامات المواطنين والمسئولين عن الصحة، والعاملين فى الطب، وتعد أكثر الأماكن حساسية نظراً للحالات الحرجة التى تتعامل معها.

تعيش مئات الأسر المصرية يوميًا مُعاناة البحث عن سرير فى إحدى غرف العناية لإنقاذ ذويهم من حالة مرضية مفاجئة، ورحلة طويلة لا تستطيع أن تتجاوزها إلا إذا كنت تملك آلاف الجنيهات لتذهب للمستشفيات الخاصة وتدفع مبالغ طائلة لتنقذ مريضك، فى هذا التحقيق إكتشفنا أن من حق الأغنياء العيش، والفقراء الموت، من يصدق أنه لو أصبح لدينا 1000 مريض على مستوى الجمهورية حالتهم حرجة، سيتوفر لهم عددا من الأسرة يعد على أصابع اليدين داخل الرعاية المركزة، خاضت " المشهد" تجربة البحث عن "سرير" رعاية مركزة فى العديد من المستشفيات الحكومية والخاصة، فالحكومية لايوجد بها أى مكان داخل الرعاية المركزة، وهناك قوائم إنتظار لخروج مريض ودخول أخر، والخاصة بمبالغ طائلة فى متناول الكبار والأثرياء فقط.

القصر العيني

بدأت جولتنا داخل مستشفي القصر العيني، توجهنا الى قسم الاستقبال بحجة أن لدينا مريضا فى المنزل ونريد نقله إلى غرفة رعاية مركزة، قالت لنا الممرضة إنه ليس لديها مكان، وهناك قوائم إنتظار عديدة فى جميع أقسام الرعاية المركزة.

لم نستسلم وذهبنا للطابق العلوي الموجودة فيه أقسام الرعاية المركزة، لنسأل جميع الأطباء المشرفين على الأقسام، حيث أكدوا لنا على ان جميع " الغرف" مشغولة، ولا يوجد سرير بلا مريض.

بعد ذلك التقينا ممرضة فى ممر قسم "رعاية القلب" وحينما سألناها، هل هناك سرير لنقل مريض قالت لنا، بإمكانكم الذهاب إلى الجناح الاقتصادى لأن جميع الغرف هنا ممتلئة، لكن إذا كنتم تتابعون مع دكتور من القصر العيني، بإمكانه توفير سرير لكم.

هنا ذهبنا الى مستشفي "المنيل التخصصي" المتواجدة فى الدور الأول داخل مستشفى القصر العيني، وتوجهنا بالسؤال لموظف الإستقبال، هل يوجد سرير داخل العناية المركزة لحالة حرجة؟

قال لنا يجب أولاً أن يطلع الدكتورعلى التقرير الطبي الخاص بالحالة، حتى يقول هل هناك مكان لها أم لا، وحينما قمنا بسؤاله عن الليلة داخل الرعاية المركزة قال " في البداية تقومون بدفع 5 ألاف جنيه تأمين، والليلة الواحدة ب 4 ألاف جنيه".

بعد ذلك قمنا بسؤال أحد الموظفين هل يوجد أماكن أخرى للعناية المركزة هنا، قال هناك قسم للدكتور "شريف مختار" حينما دخلنا الإستقبال قالت لنا الموظفة أنه يجب أولاً أن نقوم بدفع 10 ألاف جنيه تأمين والليلة ب 6 ألاف جنيه، وحينما قمنا بسؤالها كم سريرا داخل غرفة الرعاية قالت 3 أسرة فقط داخل كل عناية، لأننا نعمل على راحة المريض.

أثناء تجولنا شاهدنا شخصا يصرخ فى المستشفي ويدعى أ.م ، وحينما تحدثنا إليه قال لنا:" طرقنا كل الأبواب للبحث عن غرفة عناية مركزة لأمى التى كانت تصارع الموت، وأتينا الى هنا رفضوا، استقبالها بحجة أن جميع الغرف مشغولة، ولا يوجد سرير خال، ويضيف: " قمنا بالإتصال بوزارة الصحة وبعد عدة محاولات قاموا بالرد علينا بصورة باهتة، وأخبرونا بعدم توافر غرف عناية خالية فى ذلك، وعلينا الإتصال فى وقت لاحق، ويستطرد ساخراً:"هما مسمينه الخط الساخن بس للغلابة بيكون فى الفريزر، وأكد على انه سيقوم ببيع عفش منزله اذا لزم الأمر ليعالج والدته قبل أن تموت بين يديه، وذهب مسرعاً".

ابني في حالة خطرة

بعد ذلك شاهدنا رجلاً يبلغ من العمر آ نحو خمسين عاماً، اسمه الحاج محمد، وكان جالساً يبكى أمام الإستقبال، وحين تحدثنا معه قال لنا:" ابنى فى حالة خطرة وبعاني من نزيف حاد، والمستشفي كانت رافضه دخوله الرعاية بحجه ان ليس هناك مكان، وبإلحاح شديد، حضر أحد الأطباء الذى قبل على مضض إيداعه، فى إحدى غرف الرعاية المركزة، مقابل قيامنا بشراء كل ما يحتاجه من أدوات طبية على نفقتنا الخاصة، وهى الأدوات اللازمة لإجراء جراحة عاجلة له، لمنع النزيف، وانا حالياً أنتظر ابنى الآخر لأنه خرج ليشتري تلك الأدوات، مع العلم اننى لا أملك أموالاً أخرى اذا تم طلب شيء جديد، وحالياً لا أعلم ماذا أفعل".

خرجنا من مستشفي القصر العيني والدموع فى أعيننا على حال الغلابة، الذين لم تعط لهم الدولة أبسط حقوقهم وهيه العلاج على نفقتها الخاصة، ولم تنظر لهم بعين الشفقة أو الرحمة، وكأن ليس من حقهم أن يعيشوا حياة كريمة، والذى من حقهم ذلك هم الأغنياء فقط، بعد ذلك توجهنا الى مستشفي " الدمرداش"

الدمرداش

حال مستشفى الدمرداش، لم يختلف كثيراً عن مستشفى القصر العيني، سوى فى المظهر والشكل العام، من الخارج تعتقد أنك ذاهب إلى مستشفي خاص، لكن من الداخل وما يحدث مع المرضي تكتشف أن آ المظاهر خادعة، فى البداية التقينا بأمن المستشفي وقلنا له، لدينا حالة حرجة بالمنزل ونريد دخولها الرعاية هنا، قال لنا توجهوا لقسم الاستقبال لكن أعتقد أنكم لن تحصلوا على شيء وذلك لأن جميع الأقسام ممتلئة هنا، حينما توجهنا الى قسم الإستقبال قالوا لنا ليس هناك أماكن فارغة وأذهبوا بها الى مستشفي " الحسين الجامعى" لم نستسلم وقمنا بدفع تذكرة زيارة ب 7 جنيهات، لنذهب للطابق العلوى ونسأل الأطباء هناك، ومع الأسف وكالعادة جميع الأطباء لم يضيفوا شيئاً جديداً، وكل ماقالوه لا يوجد مكان "فاضي" فى جميع أقسام الرعاية المركزة بأكملها، بعد ذلك التقينا بمشرف الرعاية، وحينما ألححنا عليه وقلنا له أن اسعار الرعاية الخاصة مرتفعة جداً ونريد نقلها هنا، قال لنا هناك حل واحد فقط، وهو ان تأتوا بالحالة بسيارة إسعاف الى الإستقبال، وتضعوهم أمام الأمر الواقع وبعد ذلك سيضطرون الى إدخالها قسم الرعاية هنا.

أثناء سيرنا التقينا بممرضة ، فسألناها عن غرفة رعاية مركزة لمريض حالته حرجة، قالت لنا هل تعرفوا أى طبيب معالج أو إستشارى هنا فى المستشفى لديه عيادة خاصة فى الخارج، فسألناها عن سبب السؤال، فكانت المفاجأة، والكارثة فى نفس الوقت، أن هناك أماكن داخل الرعاية المركزة، غير مشغولة وخالية من المرضى، ولكنها محجوزة بأسماء أطباء من المستشفى، ولديهم عيادات خارجية خاصة بهم، حيث انهم يحجزون تلك الأسرة للطوارىء، إذا حدث أى شيء لمرضاهم، يقومون بنقلهم للرعاية المركزة داخل المستشفي.

لفت انتباهنا سيدة تصرخ فى وجوه الأطباء، وحين تحدثنا إليها قالت" أمى وزوج صديقتى فى رعاية القلب هنا بمستشفي الدمرداش، أكثر من ثلاثة أسابيع ولم نشاهد أى تحسن حتى الأن.

وأضافت الكارثة ليست فى ذلك، بل فى زوج صديقتى الذى توفى اليوم الساعه 12 ظهراً، ولم يقم أحد من المستشفى بالإتصال بزوجته، مع العلم انها في ذلك التوقيت ذهبت لتشاهد زوجها، قالوا لها انه دخل فى غيبوبة ونزعنا الأجهزة عنه.

وأستطردت قائلة:" كان فى ذلك التوقيت الساعه 7 مساء ، تشاجرنامعهم لنشاهده قالوا لنا أنه توفي، لكن لم نستطيع إدخاله المشرحة لأن مشرحة المستشفي ممتلئة بأكملها، ذهبنا للمشرحة لنراه، رأينا كارثة حيث أنهم قاموا بوضع زوج صديقتى على سرير فى طرقة المشرحة، وكان رائحة المشرحة كريهة جداُ، وحينما سألنا عن السبب قال لنا أحد العاملين إنها ممتلئة بالجثث، ولم يعد يوجد مكان لوضع أشخاص جدد، والكارثة هى أن التبريد الخاص بالمشرحة معطل ويعطى 30% فقط من التبريد مما تسبب فى تعفن الجثث"

وأضافت بالنسبة لوالدتى حينما قمت بزيارتها داخل الرعاية، أكتشفت ان هناك خياطة فى رقبتها لم تكن موجوده قبل أن تدخل المستشفي، وحينما سألتهم داخل الرعاية قالوا لنا ان لم يكن هناك وريد فى جسدها فأضطروا أن يأخذوه من رقبتها ويقوموا بتخييطه.

وقالت :" ربنا وحده الأعلم أننى قمت بدفع أموال كثيراً لأجد سريرا داخل الرعاية بالدمرداش بسبب أرتفاع أسعار الرعايات فى المستشفيات الخاصة، خاصةً وانني دفعت أكثر من 50 الف جنيه على الرعايات الخاصة لذلك أضطررت لتحويلها الى مستشفى "الدمرداش" ولا نعلم ماذا نفعل مع تلك المستشفي، وهناك طلبات عديدة يتم طلبها من قبل المستشفى، إذا كانت من أدوية أو دم أو شاش أو قطن، لا يعقل أن المستشفى لم تقم بتوفير أبسط الأشياء للمواطنين لذلك لن أقول إلا " حسبنا الله ونعم الوكيل" فى كل ظالم وفاسد ومن تسبب فيما نحن عليه حالياً.

في انتظار الرحمة 

بعد ذلك ذهبنا الى الاستقبال ، ما شاهدناه لم نكن نتوقعه نهائياً، الاستقبال ممتليء بالمرضي كأنه طابور إنتظار فى "جمعية خيرية" أو توزيع " طعام ببلاش" وكانت الكارثة أن المرضى، وذووهم يفترشون ساحة الاستقبال ينتظرون الرحمة من الأمن والأطباء ليدخلوا بمرضاهم لمعالجتهم، فى البداية التقينا بسيدة وابنتها شبه فاقده الوعى على كرسي متحرك وقالت لنا نصاً:" بنتى بتموت ياناس، ومفيش حد عاوز يدخلنى وينقذها أروح لمين وأعمل ايه..أنا حتى مش معايا فلوس لتاكسي علشان أروح بيها لمستشفي خاصة..فين الرئيس يجي يشوف وفين وزيرة الصحة تنجدنا اتمنى انها تيجي متخفية لترى مايحدث من خلفها..بنتى بتموت منى..اعمل ايه".

المطرية

توجهنا الي إستقبال مستشفي المطرية، التى حالها من حال جميع المستشفيات " لايوجد سرير داخل الرعاية المركزة فارغ، وجميعها ممتلئة" ، سألنا ماذا نفعل بالمريض؟، قالوا لنا أذهبوا به الى أى مستشفي أخرى سواء حكومي أو خاص.

توجهنا الى عنابر أقسام الرعاية المركزة لنرى أهالى المرضي يفترشون الأرض منتظرين ميعاد الزيارة بفارغ الصبر، قالت أحدى السيدات التى لها مريض داخل الرعاية،" زوجى محجوز هنا، وحصلنا على سرير بأعجوبة داخل المستشفي، وقمنا بالتبرع بالدم أكثر من مرة حتى لا يقوموا بإخراج زوجى من الداخل، غير ورقة الأدوية التى تكتب لنا كل يوم حتى نشتريها من خارج المستشفي، بحجة أن ليس هناك أدوات بالداخل، ونحن مجبرون على ذلك حتى لايتم إخراج زوجى ونضطر لنقله إلى مستشفي خاصة، ونحن لا نمتلك أموالاً للإنفاق على علاجه".

أنتهت جولتنا داخل البحث عن سرير رعاية مركزة غير موجود بالمستشفيات الحكومية، ومن هنا قمنا بالبحث عن سرير رعاية مركزة بالمستشفيات الخاصة

مصر الدولى

ذهبنا الى مستشفي مصر الدولى بالدقى، لنسأل عن سرير داخل الرعاية المركزة متاح، حيث قال لنا موظف الإستقبال": هناك غرف عناية مركزة متوفرة، لكن قبل نقل المريض يجب سداد ٢٠ ألف جنيه تحت الحساب، والليلةآ  7 آلاف جنيه، وممكن أن يرتفع، على حسب حالة المريض.

السلام الدولى

هناك غرف عناية مركزة متاحة والليلة تبتدى من 18 الف جنيه، وممكن أن يتم رفع سعرها على حسب حالة المريض والعلاج.آ آ آ آ آ آ آ  

دار الفؤاد

هناك غرف رعاية مركزة متاحة والليلة 6 الاف جنيه، لكن من الممكن أن يتم زيادة وذلك يكون على حسب الحالة والعلاج.

معهد ناصر

الليلة فى الجناح الإقتصادى تبدأ من 5 ألاف جنيه، وذلك على حسب الحالة ويتم دفع 10 ألاف تأمين للمستشفي قبل دخول الحالة.

الإتصال بمركز طوارىء النداء الألى

فى النهاية أجرينا إتصالا هاتفيا بالخط الساخن الذي يتلقي مكالمات المواطنين على مدار الـ24 ساعة، والذى تكون مهمته توفير أسرَّة رعاية مركزة وحضانات بشكل عاجل وهو 137آ  مركز طواريء النداء الألي، حيث إنه خدمة مجانية تستقبل الإستغاثة من المواطنين، وتبدأ فى دقائق معدودة البحث عن سرير رعاية مركزة فى 189 مستشفى على مستوى الجمهورية، وهى إجمالى المستشفيات المشتركة إلكترونياً بخدمة الخط الساخن للوزارة.

وقالوا انهم سيقومون بتوفير سرير للحالة الخاصة بنا، وسيقوموا بالإتصال علينا وحتى الأن مر آ أكثر من يومين ولم يتم الرد، وهذا يدل على أن الدولة لم تقم بتقديم خدمات كما تزعم وزيرة الصحة عبر الفضائيات للشعب المصري.

والسؤال الأن اين يذهب المريض الفقير؟ وهل العلاج أصبح للأغنياء فقط؟ ومن يحمىى المافيا التي تتجر بأوجاع الناس؟
 ----------------------------

تحقيق: بسمة رمضان وأمال عبدالله


أهم الأخبار

اعلان