19 - 12 - 2018

نداهه باريس

نداهه باريس

أغوت باريس الكاتبة الرحالة وفاء عوض مثل نداهه تخرج من النهر، تناديها، وتسحبها إلى عالمها الذي لا فكاك منه، ولا عودة، وهي المسحورة بالأضواء، والفن، والثقافة، والتاريخ، والموضة، والبشر. سعت إليها سعي فراشة إلى الضوء، أي ضوء.

لكنها كانت تدرك أنها لن تحترق بها، بل ستستمتع بوعي؛ بلياليها، بساحات الباستيل، الكونكورد، النجمة، قوس النصر، بالحي اللاتيني الصاخب، بأرصفة الشانزليزيه، بالكاتدرائيات العملاقة التي خرجت لها من حواديت الكتاب قبل أن تراها، فعرفت نوتردام من أحدبها الذي كتب عنه، فيكتور هوجو، وعرفت نهر السين قبل عشر سنوات حين وضعت قفلاً فوق أحد جسوره، بعد أن كتبت أول حرف من اسمها، واسم باريس، ورمت بالمفتاح إلى قاعه لتحفظ قصة حبها أبدية للمدينة التي عشقتها، لربما تعود أليها يومًا. وقد كان.

دعتها باريس المدينة الحب، كي تلقاها هذه المرة بسبب السينما، وهي عشق آخر لوفاء عوض، التي تتقاذفها المدن في ترحال دائم تهيم فيه، تعيشه بكل خلجات نفسها، ووعيها لتلتقط ما لا تراه أعيننا، من ملامح لوجوه المدن، ولأجسادها، ولروحها، ولعقولها، ومشاعرها أيضًا. تقيم معها علاقة تلو علاقة، تعطينا بعض من تفاصيلها، وبعض أسرارها، وتحتفظ بالبعض الآخر، ليظهر مرة أخرى على استحياء أحيانًا، وبجرأة في أحيان أخرى في كتابة جديدة، وهو ما لاحظته كفارق جوهري بين كتابها ترحال وكتابها نداهه باريس.

قليلة هي كتابة النساء عن الرحلات، وهذا طبيعي. إذ أن الكتابة عن الرحلات قد بدأت بكتابة المستكشفين الأوائل لملاحظاتهم التفصيلية عن الأماكن الجديدة التي يسبرون أغوارها، ولم يكن بينهم في البداية نساء، ولا حتى الزوجات. إذ أن الرحلات كانت تحفها المخاطر، التي دعت الرجال لترك نسائهم، والمغامرة من دونهم.

من هنا بدأت الكتابة عن الرحلات، التي تحولت إلى أدب بسحر عالمها وزيادة الاهتمام بصياغتها اللغوية من ناحية، وترسيخ قواعد وخصائص لها من ناحية أخرى. وظهرت أنواع أخرى من أدب الرحلة قائمة على الخيال، والمغامرات التخيلية، وبعضها يعتمد على وقائع، وشخصيات تاريخية حقيقية مثل رحلات السندباد، وقصة بن طفيل عن حي بن يقظان، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري.

وقد انتشرت مثل هذه الرحلات شفاهه أولاً لأنها مكتوبة شعرًا، ثم دونت بعد ذلك، واكتسبت شعبية هائلة تناقلتها الأجيال مثل الملاحم الإغريقية والسومرية، والرومانية الكبرى. وكان بعضها معروف المصدر، وبعضها غير معروف مثل الإلياذة، والأوديسا لهوميروس، ورحلة جلجامش إلى العالم السفلى في العراق، ورحلة أبو زيد الهلالي عند العرب.

لهذا يكون من الطبيعي أن تكون كتابات النساء قليلة في هذا النوع من الأدب، لأنهن بدأن الرحلات متأخرات عن نظائرهن من الرجال، وأن تكون كتابة النساء العربيات أقل لأنهن لم يمارسن الترحال، والكتابة عنه. ولأن حواء لم تكتب بنفسها رحلتها الأشهر والأكثر تأثيرًا في البشرية من الجنة إلى الأرض.

دونت رحلة الملكة المصرية حتشبسوت إلى بلاد بونت وكذلك رحلات بلقيس ملكة سبأ ، واشتهرت في هذا الأدب: الاميرة سلمى بنت ملك اليمن وزنزبار التي هربت مع تاجر الماني في القرن الثامن عشر وكتبت عن رحلتها تلك، كما عرف العرب افلين بسترس، ورحلاتها عام 1878 وعنبرة سالم الخالده 1897 وفي الغرب صوفي لاروش، والاخوات جريم برودر وماري مونتاج الانجليزية1689 . حتى سهل التنقل وأصبحت الرحلات غير محفوفة بالمخاطر فعرفنا مراسلات حربيات وربما تكون أشهرهن مارثا جيلهورن 1908-1998 التي نافست هيمنجواي في تغطية الحرب الاهلية الإسبانية وتزوجته بعد ذلك والتي كرمت بإطلاق جائزة للصحافة باسمها.

كتبت وفاء عوض رحلاتها إلى العراق، وسجلت الاعتداءات الأمريكية على ملجأ للأطفال، في كتابها في العراق "الملائكة تموت" ثم حولته إلى فيلم تسجيلي يحفظ الجريمة البشعة أمام التاريخ، ثم تابعت رحلاتها التي توجت بالبقاء لمدة طويلة في روما بعد حصولها على منحة دراسية لدراسة الإعلام المقروء والمرئي، وكتبت عن المدن الإيطالية التي عشقتها، ونشرت كتاباتها في رسائل صحفية، ثم في كتاب إيطاليا التي أحببتها.

ومن روما انطلقت إلى العالم الأوروبي، في رحلات متتالية وراء السينما، وباقي الفنون، والثقافات المتنوعة للشعوب. وأصبح لها باب ثابت في مجلة الإذاعة والتليفزيون بعنوان ترحال، وقد جمعت بعض مقالاته في كتاب بنفس العنوان،. ثم أصدرت كتاب متاهة باريس عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

هو درة انتاجها بحق. يتضح فيه مستوي عالي ورفيع من اللغة المقتصدة في سمو، الجزلة في غنى، والتي تعكس الحياة الباريسية، وتنقل إلينا تجارب تتضافر فيها المشاعر الإنسانية التي تكشف دواخل المجتمع مع الواقع السياسي الفرنسي المشغول بقضايا المهاجرين، والمسلمين منهم خاصة، مع الواقع العالمي الذي جعل من الإسلام بعبع الزمن الحاضر، فأصيب بما يسمى الإسلام فوبيا، مع أحداث الإرهاب، ووقع الحياة الباريسية اليومية الجميلة من موضات، وتقاليع، ومهرجانات سينما، وندوات أدبية، وولع فرنسي بالحضارة الفرعونية. وهي تذكر هنا تطورها منذ صحب نابليون علماءه ونهب آثارها، ومسلتها وشحنها عبر البواخر من مصر إلى فرنسا.

يكاد الكتاب أن يكون سيرة للمهاجرين المسلمين على أرصفة باريس، سيرة لأجيالهم المتتالية وما يعانونه، من مشاكل بدءًا من استكمال أوراق الهجرة، والاضطرار إلى الزواج من فرنسيات يمنحونهم الإقامة، إلى الوقوع في مشاكل عدم الذوبان في المجتمع، والتي تقع في الجيل الثاني على النساء في معظم الأحيان، وهو فصل من أهم فصول الكتاب.

وهي لا تنسى أن تذكر لنا تقرير المخابرات الفرنسية عام 2004 والتي أبدت فيه قلقها من الانغلاق الطائفي في ضواحي باريس، وقد أصبح يشبه الجيتو بأئمته المتطرفين الذين ينشرون بين شباب المسلمين أنهم ضحية للعنصرية ضد المسلمين، وبهذا تكمل لنا وفاء عوض الصورة من جميع أطرافها حين تطرح أيضًا قضية اللحوم الحلال، وحريق جريدة تشارل إيبدو، وقصة تعرض ستة الاف شاب من المهاجرين من تونس، وليبيا، ومصر هاجروا قبل وبعد الثورة إلى فرنسا، واحترقوا داخل بناية مهجورة فقتل منهم سبعة عشر قتيلاً.

تتميز الكتابة هنا بحس أدبي طاغي حتى يكاد أن يقترب من أن يكون عملاً روائيًا بشخوصه التي تحكي حكاياتها منفردة،:حكاية هدير النوبية، والتونسيان شريف، ونصر، والسوري خالد الخانين وحكايات الأماكن بقاطنيها، وما مر بها من أحداث، وسيرة الموت الذي خلدته المدينة في مقبرتها الشهيرة.

وتتسلسل أحداثه المضفورة بتجربة الكاتبة الشخصية وقناعتها السياسية، والفكرية، ومغامراتها مع الأفكار الميتافيزيقة، والمتطرفة التي تنمو أمام العيون الآن مثل فكرة الطاقة الروحانية أو الريكي، وفكرة زواج المثليين، وترفض حركة الفيمنن التي اتخذت من تعرية صدور النساء شعارًا للحرية، فالحرة تجوع، ولا تأكل من ثدييها، وتقدم رؤيتها للتغيرات التي تحدث في العالم، ورأيها في الانتخابات الفرنسية، وسرقة اليهود للتراث المصري، وصورة المسلم التي تقدم الان في كتاب للأطفال دون أن ينتبه أحد لهذه الشخصية الطماعة الكسولة الشرهة التي اسمها مومو، أي محمد.

لكتابها صفة الإثارة، والتشويق، والحبكة، وأيضًا النهاية التي تصل بنا إلى استعراض المدن الأخرى التي تجوبها كي تكتمل الصورة قبل أن ترحل.

حتى أنني يمكن أن أعتبر الكتاب أحد أشكال السيرة الذاتية لأن الحياة رحلة في الزمان، والمكان، وهذا ما قدمته لنا وفاء عوض في كتابها الجميل.

لم تنس الكاتبة الوطن أبدًا، وهي تحمل جواز سفرها عابرة المتوسط، " كنت أظنني رحلت لكنني ما رحلت إلا لوطني". حملته معها. تراه في تأثير الأحداث التي تنقلها وكالات الأنباء من الوطن إلى الشارع الفرنسي، والحكومة أيضًا، وتختلط محنتها، ومحنة وطنها التي لا تغيب عن عينيها، بتراث البشرية فلم تر أي فارق بين كلمات ماري انطوانيت في قصر فرساي حين قالوا لها أن الناس لا تجد الخبز فردت قائلة بسذاجة: ياكلوا جاتوه وكلمات الرئيس المصري المخلوع مبارك المتهكمة حين قالوا له انهم لا يجدون الخيار فقال: بلاش ياكلوا خيار.

تصحبنا وفاء عوض إلى كل ركن في باريس من حدائقها، وغاباتها، إلى أحيائها الغنية، والفقيرة، إلى حي البغاء في بيجال، بل وترحل منها إلى مرسيليا التي تعتبر مدينة متوسطية شبه عربية، جزائرية الهوى، وتأخذنا إلى بوردو إلى حيث يهرب الفرنسيون من باريس ويتركونها للغرباء، ليحافظوا على هدوء حياتهم، وتقاليدهم، وإلى نيس في الجنوب الساحر أيضًا، وتذكر لنا الأدباء والفنانين الذين عاشوا هنا.

فتكون الرحلة هي لكل ما هو فرنسي، وليس إلى باريس وحدها، بعد أن استدرجتها نداهه باريس إلى الطعام، والشراب، والعواطف، والرومانسية، والتوحش. إذ تكشف لنا الجانب الاستعماري المظلم، وما تحمله المصالح من شرور تجعل المدينة بلا قلب رغم ما تقدمه من شكل براق في الخارج. ويكون الكتاب بهذا سيرة للكاتبة ولفرنسا كلها في آن. تحية لها، ولرحلاتها المثيرة.
-----------------------
بقلم: هالة البدري

مقالات اخرى للكاتب

السقوط من الذاكرة| أين ذهبت ملك حفني ناصف؟

أهم الأخبار

اعلان