19 - 12 - 2018

لماذا يتجاهل مؤذنو المساجد مشاعر الناس وظروفهم؟

لماذا يتجاهل مؤذنو المساجد مشاعر الناس وظروفهم؟

فكــّـرتُ أكثر من مرة أنْ أكتب عن (ظاهرة اللوثة النفسية والعقلية) التى أصابتْ الغالبية العظمى من مؤذنى المساجد (وتلك الظاهرة تتمثل فى استخدام أبشع وأسواء أنواع التكنولوجيا التى هجرها ولفظها مخترعوها الأوروبيون، أى الميكروفون).

لم يكتف مؤذنو المساجد (مرضى إزعاج غيرهم) باستخدام الميكروفون.. وإنما أضافوا إليه (جهاز ترديد صدى الصوت) وبذلك يتلقى المواطن فى شقته الهجوم المسلح بثلاثة أسلحة: الميكروفون + صدى الصوت + صوت المؤذن الصاخب وبأعلى درجات التشنج والصراخ كأنه (بلا أدنى مبالغة) يتشاجرمع الميكروفون الملاصق لشفتيه ويكاد يبتلعه. 

وأثناء خطبة الجمعة تتجسد الكارثة، فلا الناس الذين داخل المسجد.. ولا من يجلسون خارجه.. ولامن يجلسون فى شققهم (من سيدات ومرضى..إلخ) يفهمون ما يقوله الخطيب.. وأنّ كل ما يخترق أذنهم هو الصخب وشظايا (صدى الصوت) 

واكتشفتُ أنّ (ظاهرة حرب الميكروفونات) لاتوجد إلاّ فى الأحياء الشعبية..وسبب اكتشافى هو زياراتى لبعض الأصدقاء الذين يعيشون فى المدن الجديدة (مثل الأحياء الراقية فى مدينة نصر، أوفى مدينة بدر، أو فى مدينة الشروق..إلخ) فلماذا يلتزم المؤذنون فى هذه المدن الجديدة بصوت الميكروفون ذات الصوت الخافت المعتدل؟ ولماذا يكون صوت المؤذن وصوت الخطيب شديد الاعتدال.. وهادئا وغير متشنج؟ فهل لديهم أوامر من وزارة الأوقاف باتباع هذا الأسلوب المهذب؟ الذى لايعتدى على حقوق الآخرين (حق احترام الحياة الشخصية والعيش فى هدوء) وإذا كان استنتاجى صحيحـًـا (صدور أوامر من وزارة الأوقاف) فلماذا لايتم تعميم تلك الأوامر على جميع محافظات ومدن وأحياء مصر؟ وهل السبب أنّ بعض ساكنى المدن الراقية من الشخصيات العامة والقيادية..إلخ؟ وهل معنى ذلك أنّ توفير الهدوء واحترام خصوصية الإنسان، تنطبق على هذه الشريحة من المجتمع.. ولاتنطبق على الفقراء ساكنى الأحياء الشعبية؟ 

وهل هؤلاء الفقراء مكتوب عليهم العيش فى (جحيم الصراخ والضجيج)؟ ولماذا لم يخطر على ذهن المؤذن أنّ من بين سكان الحى: المريض الذى يتعاطى أدوية ويحتاج بعدها للنوم أوالاسترخاء؟ ومن بين السكان الذى يعمل فى ورديات الليل وينام بالنهار؟ ولماذا- وهو أهم العوامل التى تحتاج إلى توقف وتأمل وعلاج- لايـُـراعى المؤذن مشاعر المصريين (المسيحيين)؟ سواء بشكل عام ومطلق، أوعندما يتناول الخطيب (أهل الذمة) وأنه يجب على المسلمين الامتناع عن معاشرتهم أو تبادل التهانى معهم أو تناول طعامهم..إلخ وقد سمعتُ هذا الكلام من خطيب المسجد حيث قال للمصلين إنّ المودة لاتكون إلاّ بين المسلم وأخيه المسلم..فى هذا اليوم تذكــّـرتُ أننى قرأتُ كلامـًـا شبيهـًـا بما قاله خطيب المسجد..وبحثتُ فى مكتبتى حتى عثرتُ على ما كتبه دكتور شهير حيث قال: (الإسلام لا يمنع التعامل مع غير المسلمين.. ولكن يمنع المودة القلبية والموالاة. لأنّ المودة القلبية لاتكون إلاّ بين المسلم والمسلم )) (جريدة اللواء الإسلامى– العدد 153) لم يكتب هذا الكلام شكرى مصطفى أوعبود الزمر من مدرسة أعداء الحياة وأعداء الحداثة، إنما كتبه الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم.. وهنا كان التطابق بينه وبين خطيب المسجد. 

وإذا كان مؤذنو المساجد لم يقرأوا كتب التراث العربى/ الإسلامى، فالمؤكد (كما هو مفترض) أنّ وزير الأوقاف قرأ تلك الكتب.. وبالتالى يعلم أنّ الدعوة للصلاة كانت بالصوت البشرى.. ويعلم (بالتأكيد) أنّ مؤذن الرسول (بلال) لم يكن لديه ميكروفون، ويعلم حديث (كل بدعة ضلالة) وهو الحديث الذى يـُـردّده خطباء المساجد وفى أيديهم (بدعة) اسمها الميكروفون.. وبالتأكيد يعلم أنّ البدع الحديثة كثيرة جدًا.. ومن بينها البدع التى تــُـذيع الأذان، مثل التليفزيون والراديو بخلاف الموبايل.. ويعلم أنّ المؤمن (القوى) حريصٌ على أداء الصلاة فى موعدها.. وكل المطلوب هومجرد التذكير بموعد الصلاة، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا صخب وإزعاج الميكروفونات؟ ولماذا لايكون هذا التذكير بالصوت البشرى الجميل؟ ولماذا تــُـترك مهمة الأذان- حاليـًـا ومنذ عدة سنوات- لأصحاب الأصوات القبيحة، عند مقارنتها بالأصوات العذبة الشجية (محمد رفعت، الشعشاعى وآخرين) آ 

وفى شوارع وسط البلد حيث يسير السياح، تكون ذروة (حرب الميكروفونات) وقت الأذان، الذى ينطلق من أكثر من ميكروفون فى وقت واحد، بحكم تلاصق وتجاور المساجد..وقد يتصوّر المسلمون أنّ هذا الفعل دعاية للإسلام بينما هوأعظم إساءة للإسلام. 

***

ولفت نظرى الرسالة الجريئة لمواطنة عبـّـرتْ فيها عن غضبها الذى تشعر به كل ليلة.. ولاتدرى ماذا تفعل لصغارها.. ولاماذا تقول لهم حين يهبون مفزوعين من نومهم على صوت المؤذن بالمسجد المجاور.. وكأنه فى معركة حربية وليس فى بيت من بيوت الله.. وتتذكرهذه السيدة كيف كان المؤذن ينادى للصلاة بصوت ندى شجى، كأنه يعزف لحنــًـا جميلا يـُـطرب الأسماع ولا يفزع الصغارولا يؤذى الكبار..واختتمتْ رسالتها قائلة (آه لوكل المساجد يؤذن فيها بتاع المساجد القديمة) (أهرام- صفحة فكر دينى-28 سبتمبر 2018) وفى نفس الصفحة تحقيق موسع عن (مشروع الأذان الموحد) الذى تبنته وزارة الأوقاف عام 2009 وأنّ المعدات سُـرقتْ كما جاء فى التحقيق. 

فهل يستطيع وزير الأوقاف الحالى إحياء مشروع الأذان الموحد.. ولكن بمراعاة نسبة التردد الصوتى بشكل حضارى.. وليس بهمجية الميكروفونات وأجهزة (صدى الصوت) وأقترح عليه عدم شراء أدوات لتنفيذ مشروع الأذان الموحد.. وأنْ يكون الأذان بالصوت البشرى، مع اجراء امتحان لاختيار أصحاب الأصوات الجميلة. 

وهل يستطيع- لوكان (من المؤمنين) بتوجهات الدولة لتحقيق مشروع (تجديد الخطاب الدينى) أنْ يـُـصدر تعليمات (مكتوبة) تأخذ شكل القرار الإدارى.. ويـُـوقع عليه خطباء المساجد.. وهذا القرار يتضمن تعديلا بسيطــًـا فى الدعاء الذى يعقب نهاية الخطبة الأسبوعية ونصه (اللهم انصرالإسلام والمسلمين) ليكون الدعاء المقترح (اللهم انصر مصر والمصريين) فهل يستطيع؟
 --------------------

بقلم: طلعت رضوان 

مقالات اخرى للكاتب

أزياء مصر القديمة موديل خريف 2019

أهم الأخبار

اعلان