12 - 11 - 2018

تغيرات مخيفة في بنية المجتمع المصري نتج عنها حوادث وجرائم غير مسبوقة

تغيرات مخيفة في بنية المجتمع المصري نتج عنها حوادث وجرائم غير مسبوقة

صفوت العالم: مواقع التواصل الاجتماعي وضعت المصريين في قلب الحدث والتفاصيل الدقيقة للحوادث

محمد محي الدين: التقارير الأمنية لا يمكن الثقة فيها على الإطلاق، والنسيج الاجتماعي في مصر بدأ بالتفكك

جمال فرويز: إذا لم تتدخل الدولة و دور الثقافة ستنحدر مصر أخلاقيًا أكثر وأكثر

حذيفة حمزة: تعويم العملة وارتفاع في الأسعار جعل الكثير من الشرائح المتوسطة فقيرة

شهد الشارع المصري في الآونة الأخيرة ظاهرة ملفته للنظر، معدلات جرائم مرتفعة غير مسبوقة على الشعب المصري، من قتل أطفال ونساء دون معرفة الجاني الحقيقي لتلك الجرائم، كما مثلت هذه الجرائم صدمة للرأي العام المصري وحار المحللون في معرفة أسبابها، من جريمة قتل أسرة كاملة في منزلهم بمدينة الرحاب، وقتل شاب تم استدراجه من جانب خطيبته وقتله على يد أبيها، ومن مقتل طفلين في قرية ميت سلسيل واتهام أبيهم بقتلهم، بالإضافة لعدة جرائم أخرى أكثر تعقيدًا و وحشية، من جانبه يسلط الاعلام الضوء على أبعاد الجريمة وتفاصيلها الدقيقة دون الرجوع إلى تحليل عميق لما حدث في الشخصية المصرية جلعها أكثر ميلاً للعف عما قبل. 

في التقرير التالي استطلعت "المشهد" آراء المتخصصين حول تطورات ما حدث للشخصية المصرية، فقال الدكتور صفوت العالم أستاذ كلية الإعلام بجامعة القاهرة، إن الحوادث تحدث نتيجة طبيعة النفس البشرية، لكن الفرق حاليًا أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعل المتابعين في قلب الحدث والتفاصيل الدقيقة للحوادث، خاصة لو أن الجريمة وقعت على أحد أصدقائهم من مواقع التواصل الإجتماعي، مما يجعل أصدقائهم يتفاعلون بشدة مع الحدث وكذلك متابعيهم، فينتشر الحدث كالنار في الهشيم. 

وأضاف العالم في تصريحات خاصة لـ"المشهد"أن زيادة تفاعلنا مع مواقع التواصل الإجتماعي عمّق إحساسنا بالحوادث كمواطنين، فالحوادث والجرائم دائمًا ما تحدث لكن كان مخصص لها جزء من صفحات الحوادث في الجرائد، بينما الآن مواقع التواصل الإجتماعي أصبحت منصة كبيرة لعرض الأحداث بكل أبعادها وتفاصيلها مما جلعنا نشعر أن هناك تزايد هائل في معدل الجرائم، وهذا غير صحيح، هناك تزايد بالفعل لكنه ليس بهذا الكم الذي يتصوره البعض.  

وتجنب العالم أن يربط الجرائم التي تحدث مؤخرًا بشكل مباشر بالوضع الاقتصادي، لافتًا الانتباه أن ارتفاع معدلات الجرائم لا ترتبط فقط بالفقر أو الأزمات الاقتصادية، فالفقراء موجودين من زمن ولكنهم يعملون بجد لكسب قوت يومهم، ولو كان الفقر هو السبب كنا سنرى المعدل مرتفع من أكثر من 100 عام، ومما يؤكد ذلك هو أن معدل الجرائم والحوادث في الدول الغنية والمتقدمة مرتفع أيضًا. 

من جانبه قال د.محمد محيي الدين أستاذ علم الاجتماع، أنه لا يمكن إنكار تأثير العوامل الاقتصادية فيما يجري الآن في مصر، لكن يبقى الوزن النسبي لكل عامل من العوامل يحتاج إلى تدقيق علمي، فالعلم لا يبحث عن الأسباب والدوافع العامة، هو يبحث عن تحليل الجرائم التي تعود دوافعها للوضع الاقتصادي وعن الجرائم التي تعود دوافعها للوضع السياسي، وما مدى تأثير التفكك المجتمعي على طبيعة الشخصية المصرية، مشيرًا إلى أن محاولات الفهم العلمي لمتغيرات الشعب المصري تصطدم دائمًا ببروقراطية عقيمه غير مسئولة وغير قابلة للمسائلة.

وأوضح محيي الدين في تصريحات لـ "المشهد" أن الجرائم متنوعة ومتفاوته ولا يمكن أن نردها كلها إلى سبب واحد لأن، كل نوعية من الجرائم لابد أن يكون لها أسباب مختلفة عن الأخرى ودوافع مختلفة خلفها، لا توجد دراسات علمية لمعدل الجرائم لكن هناك تقارير أمنية لا يمكن الثقة فيها على الإطلاق، فقبيل ثورة يناير كان هناك حالات انتحار كثيرة غير معهودة على الشعب المصري وفي هذة الآونة كانت تقارير الأمن تفيد بأن حالات الانتحار بسبب المرض النفسي والعقلي، وكأستاذ في علم الإجتماع أعلم جيدًا أن الانتحار غالبًا ما يكون خلفه عوامل اختلالات بنائية في بنية المجتمع نفسه، ليس مجرد أسباب نفسية كما تدعي التقارير الأمنية، كما أن تقرير الأمن العام الذي يتناول ويواجه التغيرات التي تطرأ على توزيع الجريمة وأنماطها وتوزيعها الجغرافي،والذي كان ينشر كل عام وكان متاح للكافة أصبح الآن الحصول على التقرير يكاد يكون مستحيل

وأشار إلى أن هناك نوعية أخرى من الجرائم ترعاها الدولة وهو الفساد المؤسسي، وهو يمهد الطريق لتطورات وأنواع أخرى من  الجرائم كحوادث الاتجار بالأثار والشاهدة عليها حادثة الرحاب، كل تلك الجرائم وغيرها نتاج لرعاية مؤسسية.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن النسيج الاجتماعي في مصر بدأ بالتفكك، فهناك تحولات قيمية تتحول فيها مرجعيات الأفراد من مرجعيات مجتمعية لمرجعيات فردية، وبالتالي هذا يوضح حالة التفسخ والتفكك في حالة النسيج الاجتماعي المصري.

ويرى حذيفة حمزة الباحث المتخصص في علم الإحتماع أن المشكلة بالطبع اجتماعية بالمقام الأول لكنه يفضل رؤيتها من منظور اقتصادي، كأحد تداعيات الوضع الاقتصادي المصري الحالي، فتعويم العملة وما تلاه من تضخم اقتصادي وارتفاع في الأسعار يعني أن الكثير من الشرائح المتوسطة ميسورة الحال أصبحت فقيرة وأصبحت مطالبة بتغيير نمط عيشها وإنفاقها وهبوطها في السلم الاجتماعي.  

وأضاف حذيفة في تصريحات خاصة لـ "المشهد" أن هذا يترتب عليه للأسف زيادة في معدلات الجريمة وتحديدًا في الفئات التي تعرضت لتلك التقلبات الاقتصادية والاجتماعية. خاصة أولئك الذين كانوا في حواف وهوامش تلك الطبقات الأعلى والذين كانوا يحظون بالمكانة الاجتماعية دون ان يتمتعوا بالقدر الكافي والحقيقي من رأس المال الذي يضعهم في منطقة الأمان، إن وجدت، داخل تلك الطبقات.

من جهته يرى استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز أن معدل الجرائم في تزايد منذ 40 سنة تقريبًا، مرورًا بنكسة 67 وثورة يناير اللذين أثروا على الشخصية المصرية بشكل كبير، فالوضع يسير من سيئ لأسوأ إلى جانب إهمال دور الثقافة وانتشار المخدرات، وإذا لم تتدخل الدولة و دور الثقافة ستنحدر مصر أخلاقيًا أكثر وأكثر.

ورفض فرويز في تصريحات خاصة لـ "المشهد" أن يطلق على معدل الجرائم المرتفع "بالظاهرة" كما يصفه البعض، مؤكدًا أن مصطلح الظاهرة يصلح أن نصف به الوضع إذا كان معدل الجرائم يحدث من خلال 25% من الشعب. 

وطالب استشاري الطب النفسي وزارة التربية والتعليم أن تعيد التربية للتعليم مرة أخرى وأن يصبح من أولياتها، وعلى وزارة الثقافة أن تعيد دورها في ترشيد الثقافة الجماهيرية، كما أن على وزارة الإعلام أن تحكم سيطرتها على الإعلام المرئي وعدم ترك فرصة  لكل شخص يريد أن يظهر فِكره على منصات الإعلام كما يحدث، كل تلك العوامل ساعدت على تردي الوضع المصري و الوصول إلى  كل تلك المعدلات المرتفعة من الجرائم.
 ---------------

تقرير - عبدالرحمن العربي 

أهم الأخبار

اعلان