20 - 08 - 2018

كيف نهبت الثروة المعدنية والذهب من مصر (1) منجم السكرى نموذجا

كيف نهبت الثروة المعدنية والذهب من مصر (1) منجم السكرى نموذجا

تتميز مصر بثرواتها الطبيعية الوفيرة المتنوعة من مسطحات مائية عذبة ومالحة وطاقة شمسية ، وثروة معدنية كبيرة، حيث تنوع هذه الثروة المعدنية فتشمل الذهب والنحاس والحديد والكروميت والإلمنيت، والمعادن الثقيلة والمشعة والشحيحة والنادرة، وأحجار الزينة من صخور نارية ومتحولة، والرمال البيضاء (رمال الزجاج) ، والكاولين والفحم ، والطفلة والأحجار الجيرية ، والدولوميتية و الجبس، ومحاجر الرمل والزلط وخامات الفلسبار الصوديومى والبوتاسي، والكبريت والمنجنيز والماجنزيت،  والذهب ، وكلها خامات ثبت جدواها الاقتصادية (31) 

ونستطيع القول أن الفراعين قد أسسوا مايمكن أن نسميه " السياحة الجيولوجية " ، الذى هو جزءا من السياحة المعرفية، وهذا ما تظهرها النقوش الفرعونية التى امتدت إلى عصر البطالمة المنقوشة فوق صخور وادى الحمامات ، الذى يمر عليه أشهر وأقدم طريق يربط بين محافظتى قنا والبحر الأحمر( طريق قفط- القصير) ، وكثير من الرحلات الجيولوجية الأجنبية تأتى للسياحة الجيولوجية فى مصر وبالذات فى مناطق التحجير والتنجيم القديم فى الصحارى المصرية، ومن المناطق التى يجب الاهتمام بها والتركيز عليها سياحيا كقيمة مضافة إلى الثروة المعدنية هى منطقة الفواخير فى منتصف المسافة بين قفط والقصير(32) . 

والفضل الأكبر فى رسم الخريطة الجيولوجية المصرية الحديثة يرجع إلى " الهيئة المصرية العامة للمساحة الجيولوجية "  ، أو مصلحة المساحة الجيولوجية - سابقا - التى أنشئت عام 1896 ، والتى تعد ثانى هيئة مساحة جيولوجية فى العالم بعد هيئة المساحة الجيولوجية البريطانية ، وتلاها مصلحة المناجم والمحاجر والوقود عام 1905 ، واختصت مصلحة المساحة بالبحث والاستكشاف ، بينما أختصت مصلحة المناجم والمحاجر بإجراءات منح التراخيص وعقود الإيجار والرقابة الفنية علي المناجم والمحاجر والملاحات والوقود (33) . 

وقد تم تغيير اسم هيئة المساحة الجيولوجية  إلى "الهيئة المصرية العامة للمساحة الجيولوجية والمشروعات التعدينية "  عام 1980، ثم إلى "الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية" ،  عام 2004 ، وأنيط إليها مسئولية الإشراف على الثروة المعدنية فى البلاد ، وانحصرت مهمتها فى المسح والتخريط الجيولوجى ، والبحث والتنقيب ومنح الترخيص لاستغلال الخامات ، وأخيرا جرى فى أكتوبر عام 2004 إغتيالها فعليا بإصدار القرار الجمهورى رقم ( 336 ) لسنة 2004 ، بنقل تبعيتها إلى وزير البترول ، رجل نظام مبارك المدلل فى ذلك الوقت المهندس " سامح فهمى " ، ومع  مرور الوقت فقدت مصلحة المناجم والمحاجر دورها وظهرت اتجاهات جديدة وخصوصا بعد عام 1979 نذكر منها علي سبيل المثال(34) : 

(1) نقل اختصاصات الوزير المختص بشأن المحاجر إلي  المحافظين بالمحليات التى تولت إدارة المحاجر والملاحات .

(2) تولت هيئة المجتمعات العمرانية إصدار تراخيص وعقود استغلال المحاجر لحين نقلها من المدن الجديدة إلي المحليات وذلك منذ عام 1979 .

(3) قيام هيئة تنمية بحيرة السد العالي بمنح تراخيص بحث وعقود استغلال خامات المناجم والمحاجر من منطقة نشاطها شرق البحيرة .

(4) صدور قرار إنشاء هيئة المواد النووية متضمناً حقها فى البحث وتعدين وبيع وشراء الخامات النووية دون غيرها 

(5) قيام هيئة قناة السويس بمنح تراخيص بحث وعقود استغلال خامات المناجم والمحاجر من المنطقة المحيطة بقناة السويس وفى سيناء . 

(6) منح بعض الشركات مزايا سيادية مثل " شركة النصر للملاحات "  حيث تسيطر بمفردها علي صناعة وتجارة الملح .

(7) قيام جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة باستخراج بعض المعادن وقصر ذلك علي الجهاز.

(8) انتشار التعدين العشوائي للذهب في جنوب البلاد بسبب قصور الهيئة في التعامل مع هذه الثروة الهامة(35)  .

(9) بداية هيمنة الشركات الخاصة والمقاولين على الجزء الأكبر من الثروة المعدنية منذ نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين . 

وتبلغ عددالشركات العاملة فى هذا القطاع فى مصر حوالى 420 شركة ، هذا بخلاف عشرات ومئات المقاولين من الباطن ، وفقا للبيانات غير المدققة فإن هذا القطاع يعمل فيه الشركات التالية : 

أولا : شركات القطاع العام والأعمال العام ويصل عددها إلى حوالى 25 شركة تقريبا . 

ثانيا : 79 شركة مرخصة للعمل فى الخامات المنجمية فقط . 

ثالثا : يوجد حوالى 420 شركة تعمل فى مجال الرخام والجرانيت .

وفى العقدين الأخيرين من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة ، تأرجحت تبعية هيئة المساحة الجيولوجية بين وزارتى الصناعة والبترول، الأمر الذى أثر سلبا على عملها ، حيث صارت الحديقة الخلفية لترقيات محاسيب وزير البترول عديمى الخبرة التعدينية ، وتراجع دورها وتم تجريفها من الجلوجيين العاملين بها ، ونظرا لعدم التطوير سواء فى الهيكل الوظيفى ، أو فى أسلوب التعامل مع الثروات المعدنية وطرق استغلالها واستمرار تصدير الخامات المعدنية دون إضافة أى قيمة مضافة  Value Added  عليها ، وبأسعار تقل كثيراً عن السعر العالمى ، فقد تحولت المناجم والمحاجر إلى وسيلة نهب وتربح لجماعات من المقاولين المحميين من بعض المحافظين ورجال الإدارة المحلية فى كثير من المحافظات (36) . 

ووفقا للدراسات العالمية المتخصصة فى هذا المجال فأن متوسط ماتشارك به الثروة المعدنية وصناعاتها التعدينية فى الناتج القومى للدول العربية يتراوح بين 18% إلى 22% ، وتصل فى بعض دول العالم إلى حوالى 45% من الناتج القومى ، بينما فى مصر لا تزيد مشاركة هذا القطاع عن 1% من الناتج القومى ، بالرغم من وجود تنوع كبير ووافر فى الثروة المعدنية من معادن و خامات وأحجار زينة وعناصر ثقيلة وشحيحة ونادرة (37) .

مكونات الثروة المعدنية فى مصر : 

تحتوى مصر على تسعة مجموعات من الثروة المعدنية والتعدينية ، وهى تتواجد بكميات ونسب متفاوتة من خام إلى أخر ، وتنقسم هذه المجموعات على النحو التالى: 

المجموعة الأولى : خامات الفلزات الحديدية مثل الحديد والمنجنيز والكروم ، والتنجستن والموليبدنم والنيكل والتيتانيوم والفناديوم وغيرها . 

المجموعة الثانية : مجموعة الخامات الفلزية غير الحديدية مثل النحاس والرصاص والزنك والقصدير والنيوبيوم والتنتالم والألمونيوم . 

المجموعة الثالثة : وهى مجموعة الخامات الفلزية النفيسة مثل الذهب والفضة والبلاتين . 

المجموعة الرابعة : خامات المعادن اللافلزية مثل خامات الحراريات والسيراميك والزجاج ( ومنها الرمال البيضاء والفلسبار والأسبستوس والطينية الكاولينية والماجنزيت والتلك ماجنزيت .. الخ ) والخامات الصناعية الكيماوية وخامات الأملاح التبخرية . 

المجموعة الخامسة : وهى خامات الصناعات الكيماوية والأملاح التبخيرية ، مثل الفوسفات والكبريت والبوتاسيوم والجبس . 

المجموعة السادسة : وتشمل الخامات الصلبة للطاقة مثل الخامات الكربونية والطفلة الكربونية والأحجار الزيتية ورمال القار والخامات المشعة كاليورانيوم والثوريوم . 

المجموعة السابعة : وتضم خامات مواد البناء ، وأحجار الزينة مثل الأحجار الجيرية ( التى يصنع منها الأسمنت ) ، والطفلة والدولوميت والجبس والرمال العادية والرخام والجرانيت والزلط والبزلت والأتربة الزلطية . 

المجموعة الثامنة : خامات أخرى مثل التلك والكورندم والفيرميكيوليت والفلورسبار وغيرها . 

المجموعة التاسعة : الأحجار الكريمة مثل الزبرجد والزمرد ، والفيروز والياقوت الأحمر(38). 

وتعانى الثروة المعدنية  فى مصر من الإهمال والإهدار الصارخ للمال العام والاستغلال السيئ ، حيث تقوم هيئة الثروة المعدنية بالإعداد لطرح مزايدات لمناطق استغلال خامات القصدير والفوسفات والذهب ، وهى مناطق متداخلة تحتوى على أكثر من خام واحد ، وأيضا بطريقة تبعث على الريبة لإقرار الاتفاقيات بعيدا عن مجلس الشعب ، كما أن هيئة الثروة المعدنية قامت بإنشاء العديد من الشركات المشتركة لاستغلال معدن الذهب (ومصر بها أكثر من 95 موقع موثق لانتاج الذهب) ، والعناصر الشحيحة من النوبيوم والتنتاليوم وخلافه . وفى الوقت الذى  كان الشعب المصرى يأمل فى مردود اقتصادى لهذه الثروات نجد  على العكس أمثلة كثيرة على إهدار ونهب هذه الثروات المعدنية

-------------

بقلم: د. عبد الخالق فاروق
   (من يرغب فى الإقتباس الإشارة إلى المصدر وهو : عبد الخالق فاروق ، كتاب ” كيف نهبت مصر 1974 - 2018 ”، كتاب تحت الإصدار)  

مقالات اخرى للكاتب

كيف نهبت ثرواتنا المعدنية .. منجم السكرى نموذجا (2)

أهم الأخبار

الشفايف المكتنزة وردية اللون دقيقة تجميل مع د فادي نصر