20 - 08 - 2018

لماذا تجاهل اليسار المصرى علمىْ الأنثروبولوجيا والمصريات؟  

لماذا تجاهل اليسار المصرى علمىْ الأنثروبولوجيا والمصريات؟  

بعد ثورة برمهات/ مارس 1919 تـمّ تكوين أول حزب شيوعى مصرى (عام 1922 عند أغلب المؤرخين) ومعنى ذلك أنّ تاريخ الحركة الشيوعية المصرية تجاوز التسعين عامًـا، وبالرغم من ذلك فإنّ العقل الحر عندما يتأمل الواقع، ويتساءل عن المُـحصّـلة أو النتيجة النهائية: هل نضال اليسار المصرى (بشتى فصائله) أحدث التراكم الكيفى المطلوب؟ والسؤال بصيغة أخرى: لماذا لم يكن لليسار (شعبية) مؤثرة بين أبناء شعبنا المصرى؟ بل إنّ الأسى يتملــّـكنى عندما أرى أنّ بعض القيادات العمالية (من اليساريين) الذين نشطوا منذ بداية الستينيات، وتعرّضوا لبطش السلطة الناصرية (من اعتقال وتعذيب وتشريد بعد الخروج من المعتقل عام 1964) إذا بهم وقد تحوّلوا إلى عدة تصنيفات: بعضهم استثمر أمواله أوخبرته فى مشروعات رأسمالية (مثل أى رأسمالى لايهتم إلاّبالربح) وبعضهم عمل فى صحافة مُـعادية للطبقة العاملة..والفريق الثالث (وأعرف كثيرين منهم) تحوّلوا للدفاع عن الإسلام (صراحة ودون مواربة فى الصحف والفضائيات ذات التوجه الإسلامى) وأنا لا أقصد المشهورين مثل محمد عمارة وعادل حسين.. ولكننى أقصد العشرات الذين ليس لهم شهرة عمارة وحسين..كما أعرف كثيرين ذهبوا للحج ويمارسون الشعائر مثل الصلاة..وعندما ناقشتُ المُـقرّبين منى كانت ردودهم غير مقنعة ومخجلة.

وكنتُ أتصوّر أنّ من حق أى إنسان ممارسة ما يشاء من طقوس دينية..ومن حقه أنْ يؤمن بأى دين..ولكن ما علاقة هذا الحق بتمرده على معتقداته الفلسفية والاجتماعية وانقلابه على نفسه؟ ولماذا لم يتعلم (المثقف اليسارى) من (الأمى المصرى) الذى (قد) يـُـمارس الطقوس الدينية.. ولكنه حريص (فى نفس الوقت) على ممارسة كافة الطقوس والقيم الإنسانية والجمالية التى توارثها عن جدودنا المصريين القدماء.. وعندما توصــّـلتُ إلى النتيجة التى لمستها بنفسى منذ طفولتى، سواء مع أبى الأمى أومع زملائه الخبازين والعجانين، وضعتُ يدى على نقطة الضعف أو(كعب أخيل) فى اليسار المصرى..ويمكن تلخيص سبب الفشل فى جملة: عدم اهتمام اليسارالمصرى بعلم الأنثروبولوجيا..وهوالعلم الذى بحث علماؤه: كيفية التمييز بين شعب وآخر. وكان الجواب هوالبحث عن (الخصوصية الثقافية) لكل شعب، أى البحث عن (منظومة أنساق القيم التى توارثها الشعب عبرآلاف السنين..وانتقلتْ من جيل إلى جيل) وهذا معناه البحث عن (مُـكوّنات الشخصية القومية) وهذا الجهل بعلم الأنثروبولوجيا جعلهم يتجاهلون علم المصريات Egyptology وبالرغم من دفاعهم عن العروبة (وهذا حقهم) فإنهم لم ينتبهوا إلى أنه لايوجد علم اسمه (سعودولوجى) أو(قطرولوجى) أوـ حتا ـ (أمريكولوجى).

وهذا البحث (مكوّنات الشخصية المصرية) لم يلق أدنى اهتمام من الشيوعيين المصريين (مع وجود استثناءات نادرة) وعندما يطرح العقل الحر سؤال: كيف صنع الشيوعيون الصينيون والروس والفيتناميون شعبيتهم؟ الإجابة لأنهم درسوا وعرفوا (الخصوصية الثقافية) لشعوبهم.. ودليلى على ذلك الكتب التى أرّختْ للزعيم الصينى ماوـ تسى ـ تونج) والزعيم الفيتنامى (هوشى ـ منه) حيث يتبيـّـن مدى الوعى بالشخصية القومية (وهو الوعى الذى يشمل عناصرالقوة وعناصرالضعف، أى المُـميزات والعيوب) وهذا البحث غاب تمامًـا عن الشيوعيين المصريين.. ومن هنا تجاهلهم شعبنا لدرجة أنّ كثيرين من أنصاف المتعلمين كانوا يخلطون بين كلمة (شيوعى) وكلمة (شيعى)

أما عن تاريخ الحركة الماركسية المصرية، فإننى أعتقد أنه يُـمكن تقسيم الماركسيين المصريين بين مرحلتيْن فاصلتيْن: مرحلة ما قبل ومرحلة ما بعد يوليو1952. فى المرحلة الأولى كانوا على درجة عالية من الإيمان بوطنهم (مصر) وفى المرحلة الثانية تزعزع هذا الإيمان (نسبيًـا) بسبب مشيهم وراء البكباشى عبدالناصر الذى روّج لأكذوبة أنّ (مصرعربية) ولدىّ دليل دامغ على أنّ الماركسيين قبل يوليو52 لم ينخدعوا بشعارات (العروبة) وذلك فى سلسلة الدراسات التى نشرتها مجلة (الفجرالجديد) الأعداد (من يوليو1945- يوليو46) حيث انتقد كثيرمن الماركسيين قرار إنشاء جامعة الدول العربية التى صنعتها بريطانيا، فمثلا كتب الماركسى الشهير(أحمد صادق سعد) مقالا قال فيه ((استقبلتْ الشعوب العربية بيان مجلس جامعة الدول العربية الأخير بدهشة بالغة. هذه الطنطنة الكبرى والاجتماعات المتكرّرة وحفلات الشاى، كل هذا لم يـُـسفر إلاّعن نتيجة أحيطتْ بسياج غامض من السرية، تضمنتْ الاعتراف بالاعتداء الفرنسى على بعض دول الشام)) (أول يوليو45) وفى عدد أكتوبر 45 مقال كتبه رئيس التحريرالماركسى (أحمد رشدى صالح) بعنوان دال (الجامعة العربية لاتخدم مصالح الشعوب العربية) ومقال آخرجاء فيه ((كنا على حق حين حذرنا شعبنا من جامعة الدول العربية)) والمقال طويل جدًا، وأهم ما فيه أنّ تلك الجامعة تسيرعلى خطى الاستعمار البريطانى..ومقال آخر عن دور الجامعة العربية فى ممالأة الاستعمار البربطانى.. وكيف تطالب تلك الجامعة من فرنسا الخروج من سوريا ولبنان دون الإشارة إلى خروج الإنجليز من مصر.. وإذا كانت تلك الجامعة تروّج للعروبة، فهى لاتعدو أنْ تكون لونـًـا من ألوان العنصرية البغيضة.. ولاتهتم بأهداف الشعب العربى (عدد12فبراير46)

لقد عاقب شعبنا الشيوعيين المصريين بتجاهلهم..وأنا أزعم أننى استفدتُ من المفكرين الليبراليين (خاصة جيل ما قبل يوليو52) ولم أستفد من الماركسيين (مع استثناءات نادرة) مثل د.سمير أمين فى الاقتصاد.

------------

بقلم: طلعت رضوان

مقالات اخرى للكاتب

840 جسر في فرنسا مهدد بالإنهيار، و12 ألف تحتاج إصلاحات

أهم الأخبار

الشفايف المكتنزة وردية اللون دقيقة تجميل مع د فادي نصر