21 - 10 - 2018

الكاتِبُ السُّوري أحمد إسماعيل إسماعيل: أخشى الموت المجاني وقبري شاغر ينتظرني

الكاتِبُ السُّوري أحمد إسماعيل إسماعيل: أخشى الموت المجاني وقبري شاغر ينتظرني

- الكاتب المسرحي مُهدَّد بالانقراض وأخشى سقوطه في خندق المتحاربين في الوطن بعد تمزق الخريطة العربية

- كتابات نجيب سرور؛ وسعْدالله ونّوس؛ ومحمود دياب عن هزيمة يونيو من باب العَتب والتنفيس وليست نقداً حقيقياً

- مقولة: "الجمهور شريك المسرح وسَيده" باتت طُرفة تشبه الحديث عنه في السياسة بصفته مواطناً!

- الوصول للطفل إبداعياً ليس بالأمر الهين سيّما وأنَّا عققناه بالأمس؛ فكان منهم إرهابيو وسفهاء اليوم

حفروا له قبراً لحظة ولادته! فقد اعتادت العائلة توديع مواليدها، لكنه عاش وخابت التوقعات، ليبقي القبر شاغراً ينتظر صاحبه - الذي بالكاد بقِي على قَيد العقل- محاولاً ألا يُفلِتَ القلم مِن فرْط جنون المشهد في وطنه؛ يخشى الموت منذ الحادث المروع الذي تعرض له والده؛ والذبح والتقتيل والتنكيل الذي تتعرض له قوميته - على حد وصفه - ولأنه كابد استبداد السلطة فقد ولَّى وجهه شَطر المسرح؛ حيث سلاح الوعي والتنوير والتثوير؛ ويمَّم قلبَه صَوْبَ الطفل القادر على حل جميع مآسينا شريطة الإحسان إليه؛ فكتبَ له مسرحية "الطائر الحكيم" وكيف ثارت الطيور ذات صباح على "الوحش" الذي يتهددها كل يوم؛ فصنعتْ بأجنحتها ريحاً مدمرة؛ ليكتشفوا إنْ هو إلا فزّاعة صنعها "الثعلب" لإخافتهم، فكانت نبوءته بثورات الربيع؛ مُوقناً أن الاستبداد السبب الحقيقي لتمزق خريطتنا العربية.

"المشهد"تلتقي بالقاص والكاتب المسرحي السوري المقيم بألمانيا أحمد إسماعيل إسماعيل؛ فتلْمَس خشيته على المسرح من السقوط في براثن السلطات المستبدة؛ سيّما بعد تأثره الشديد بزلزال الثورات العربية، ورؤيته للكثيرين ممن كتبوا في الستينيات بأنهم قد خرجوا من رحم السُّلطة لذا لم يجرؤوا على نقد هزيمة يونيو، وولعه ببلده سوريا الغني بتنوعه الإثني والديني والطائفي واللغوي؛ وألمه لقوميته الكردية؛ لافتاً الانتباه لـ "أُديب" تلك التراجيديا الفردية التي غيَّرت مسارالمسرح؛ فكيف بتراجيديا شعب كامل؟!

كَتب أكثر من عشرين مسرحية وقصة ودراسة نقدية ومقالاتٍ عدة، عُرضت نصوصه على امتداد العالم العربي؛ لكن البعض يسرقها لخشبة مسرحه دون الإشارة لاسم صاحبها! شارك في العديد من المهرجانات والمسابقات الفنية والثقافية العربية؛ ونال جوائزها الأولى.

*كتبتَ القصة والنقد وللطفل؛ لكنك وجهتَ وجهك شَطر المسرح؛ فما الذي استهواك؟ وكيف تختلف الكتابة له عن بقية فنون الإبداع؟

- المسرح عشقي الأول، لكن خجلي حال دون تحقيق حلم الصبا في اعتلاء خشبته،  فيمَّتُ وجهي صوْب الكتابة له وعنه لقدرته الفائقة على الوصول إلى الناس وتنويرهم وتثويرهم، لأكتشف بعد زمنٍ أنَّا- كمسرحيين - قد أثقلنا رهافة كاهله بأعباءٍ ناء بحملها، وأقحمناه في معارك سياسية كبيرة رغم حداثة ولادته في ثقافتنا، فجاءت النتيجة مُخيبة للجميع، فالمسرح فن حضاري وليس سلاحاً حربياً، وسِحره يكمن في جمالياته وتنوير العقول والارتقاء بالذائقة.

بدايةً كانت الكتابة للمسرح فناً أدبياً، تُصاغ في تقنيات تتضمن إمكانية التجسيد؛ وأولها الحوار بدل السرد في الرواية والقصة، ثم أخذت بوصلة المسرح تدفع الكاتب نحو الفنية والدرامية في النص، فتخلَّص من الكلمة المترهلة والمنمقة لصالح الفعل، واعتُبرت الكلمة: "وشْيٌ على ثوب الحركة والفعل" (ميرخولد)، بمعنى أنَّا ببساطة نعثر في الشِّعر والقصة والرواية على صوت المبدع وفِكره، بينما يُمنع على الكاتب المسرحي التجوال في نَصِّه حذر تعرض عمارته الفنية والفكرية للانهيار، ولا يتم خرق هذا القانون سوى ممن يتقن بناء عمارته الفنية بشكل هندسي وفكري مدهش.. ومما يؤسف له أن الكاتب المسرحي في بلادنا مهدد بالانقراض، وذلك بعد أن تم طرده من المسرح بتهمة استخدامه المفرط للكلمة بناء على الفهم المغلوط لدعوات "التجريب" و"موت المؤلف" التي أُطلقت في الغرب، ولا غرابة في ذلك، فقد اعتدنا على التفسير الساذج والمغلوط لكل مفهوم مستورد معفى من ضريبة التمعن وإعمال التفكيركالديمقراطية والحرية والإشتراكية. 

 *ما تقييمك للمسرح العربي حالياً مقارنةً بعقودٍ خَلت؟

- لستُ مطلعاً على حاله اليوم؛ خاصة بعد الزلزال الذي ضرب وطني وغيره من البلدان، ومن ثَم مغادرتي الوطن خشية الموت المجاني في هذه الحرب المجنونة، ولا غرابة في أن يكون المسرح بالذات أول من استجاب لارتدادت هذا الزلزال، لأنه الفن الأكثر حساسية، لذا فثمة خشية كبيرة من سقوط المسرح في خندق المتحاربين، فقد سبق وعصفت بالمجتمعات العربية كوارث هزت كيانه - هزيمة حزيران نموذجاً- فتنطَّع لها كتاب ومبدعون كُثر، واستطاعت قِلة منهم أن تشيرلأُس الهزيمة بشكل أقل إبهاماً وتورية من الكثرة التي كتبت عنها أمثال محمود دياب؛ وسعدالله ونوس؛ ونجيب سرور وآخرون ممن تحول نقدهم للسلطة لما يشبه العَتب والتنفيس؛ لأنه وببساطة شديدة تم في مؤسسات السلطة التي دجَّنت المسرح، وفصَلتْ بين المبدع وشريكه الجمهور بوسائل شتى، ليبقى في المسرح مجرد متلقٍ سلبي، ولتصبح مقولة: الجمهور شريك المسرح وسَيده" طُرفة شبيهة بطُرفة الحديث عنه في السياسة بصفته مواطناً!

*ما سر اهتمامك بالطفل؟ وهل استطعنا التعبير بصدق عن واقعه وطموحاته وأحزانه؟

-هو سرّ خلاصنا من العنف والتخلف والجهل والاستبداد، ومُنقذنا في المستقبل، ومن العجب أنَّا نبحث عن الخلاص في كل الأمكنة؛ ونتجاهل الطفل الذي بيننا، فمن يتأمل الخراب العميم في مدننا وساحاتنا يدرك حجم فشلنا في تربيته وإعداده، فإرهابيو اليوم والسفهاء منَّا هم مَن عققناهم في صغرهم فعقونا في كبرنا، فاجتهدتُ وكتبتُ مذ عشرين عاماً، وقبلها كنتُ معلماً في مدارس مدينتي "قامشلي" مدة ربع قرن، ولم أَحِدْ يوماً عن التعامل معه شريكاً ومتلقياً ذكياً، فاحترمت وعيه، وتعاملت معه كنِدٍ لا كتلميذ، وعموماً فالوصول إلى الطفل إبداعياً ليس بالأمر الهين، ويؤسفني القول أن أغلب كتاباتنا لم تكن لطفلنا الماثل أمامنا؛ بل لطفل آخر في دواخلنا؛ هو المأمول أو المقموع، فكررنا- إبداعياً- السياسة التربوية المدرسية المتسلطة، ومواعظ رجال الدين، والتربية الأسرية المتخلفة،متجاهلين أن أقصر طرق الخلاص وأكثرها دواماً منح الطفل ما يستحقه من اهتمام وتربية وثقافة واحترام.

*أدب الثورات موجود بشكل أو بآخر في كتاباتك؛ فما الذي تودُّ قوله؟

- فتَّحتُ عيني في بيئة فقيرة ومضطهدة؛ مُورس عليها الاستبداد السياسي الذي هو أساس البلاء المقيم، فتمردتُ سياسياً في شبابي، وسرعان ما تبينتُ زيف مزاعم الأحزاب المعارضة التي تمارس الدجل السياسي، وما تمردها على النظام سوى لحيازة السُّلطة لا لتغيير منظومتها القامعة، حينها يمَّمتُ وجهي للأدب؛ فكتبتُ قصة عن مجزرة "حلبجة"وضحاياها الخمسة آلاف كردي على يد الطاغية صدام حسين، ثم توالت كتاباتي الداعية للتثوير والتمرد على الظلم والاستبداد، والمفارقة أنِّي كتبتُ نصاً مسرحياً للطفل قبيل ثورة تونس بعنوان "الطائر الحكيم"؛ أدعو فيه للثورة على الخوف والطغيان، ثم "القربان"؛ تناولت فيه واقعة إسقاط تمثال الرئيس في بلدة "عامودا" الكردية أثناء انتفاضتها، وعلى إثرها تم التحقيق معي سبع ساعات في قبو أمن الدولة، فلم ألقِ بالاً لما فعلوه؛ المهم أنِّي قلْتُ ما أود قوله، وفي الجعبة الكثير مما طرأ في هذا الربيع القارس عن الانتصار لكرامة الإنسان وحريته، ونزع الأقنعة عن الوجوه المزيفة، غير أن الصدمة التي مُنينا بها في أجواء هذا الربيع جعلتني مثل كثيرين أُعيد النظر في كل ما كنا نتوسله من آداب وفنون؛ وسياسات وقناعات؛ وأفكار ومفاهيم من أجل تحقيق الهدف الأسمى وأعني كرامة الإنسان.

*لم يذُب الأكْراد  بعد في النسيج العربي؟

- لو لم أكن كُردياً لكنتُ نصيراً لتلك القومية المضطهدة، فأنا نصير لمن يقع عليه الحِيف والغُبن: المرأة والطفل والفقير وسجين الرأي والأقليات الدينية والقومية؛ كي أبقى على قَيد الإنسانية، فرغم ماتعانيه قوميتهم من جروح وانكسارات لأجل صهرها وفنائها فقد خدمتها بصفتي كاتباً مسرحياً؛ سيّما وهي المظلومة إعلامياً؛ فالكردي إما ذلك "البشمركة" المسلَّح؛ أو "صلاح الدين الأيوبي" محرر القدس كما تراه المخيلة العربية، فكتبت لها وعنها بغرض معرفة الذات وليس تباهياً ببطولات الأسلاف.

أما عن الذوبان؛ فهو جار على قَدمٍ وساق مِن قبل السلطات الشوفينية؛ لمحو الهوية واللغة والتاريخ، لدفع الكردي إلى خانة رد الفعل؛فيسهل تحويله - في مصنع الإعلام المناهض- مِن مجني عليه إلى جانٍ، ومع ذلك فما نزال بانتظار العقلاء من القوميات العربية والتركية والفارسية ليسعوا إلى تزيين نسيجهم الوطني بمواطنيهم الكرد وبغيرهم من الأقوام المختلفة لا لإذابتهم، فالواحدية مصيرها الفشل والدمار؛ ليس على مستوى الفرد والسلطة بل على مستوى الأوطان والشعوب أيضاً، وتجربة الطغاة العنصريين أمثال هتلر وستالين وصدام ماثلة في الأذهان، لأن الواحدية مبدأ إلهي لا بشري، والله جعل البشرية شعوباً وقبائل لتتعارف لا لتنصهر في بوتقة واحدة، ولو شاء غير ذلك لفعل.

الكُرد عاشوا في وطنهم كُردستان منذ عهود سحيقة، كما هو شأن جيرانهم العرب في بلاد العرب، والفرس في فارس، والأرمن في أرمينيا، وأما جيرانهم التُّرك فكل قارئ للتاريخ يدري أنهم دخلوا البلاد التي تسمّى "الأناضول" بعد معركة  "مَلازْكُرد"، ولولا عبورهم من بلاد الكُرد المتعاونة معهم؛ واستعانتهم بمواردها ما استطاعوا التوغّل غرباً، وما نشأتْ دولة سلاجقة آسيا الصغرى، وما كانت الامبراطورية العثمانية، ولما تأسّست دولة تركيا التي نراها اليوم، كما يؤكد الباحثون.

*تجسيد التاريخ إبداعياً يتأرجح بين رؤية البعض لسهولته وآخرون يرونه شديد الصعوبة خشية وقوع المبدع في فخ "التأريخ" وما هو بمؤرخ؟ حدثنا عن تجربتك؟

- الصياغة الإبداعية للتاريخ ليست هينة؛ وإن كانت مغرية لما تحويه من تسهيلات درامية؛ فالظروف جاهزة، والأحداث مكتملة، والشخوص حية ومعروفة، لكن العمل - رغم ذلك- يحتاج إلى عَناء الخلق والإبداع، والاستسهال ينعكس لا محالة على النتاج الفني الذي سيبدو عملاً مُبسطاً بعيداً عن الصدق؛ مُسيئاً للتاريخ وللمتفرج الذي ينفر من كل عمل فارغ مِن العمق الفكري؛ أو الإسقاط الواقعي؛ أو إيحاءات لها صدى في زماننا من أفكار ومبادئ دون تزييف أو تزيين للتاريخ إنما كشفاً لحقائقه بوعي الفنان القارئ للماضي بعين المعاصرة لأجل معالجة الحاضر، وقد كتبت ثلاث مسرحيات مستوحاة من التاريخ الكردي، حاولتُ الإلتزام بهذا الأمر، لما للتاريخ الكردي من خصوصيات؛ لأنه غير مُدوَّن ومحل خلاف، كما أن نصوصي وجهتها للطفل، الأمر الذي جعلني ألتزام بالوقائع الحقيقية كثيراً، ومع هذا أدركت فداحة خطأ الانتصار للتاريخ على حساب الفن.

*التمزق أصاب خريطتنا العربية وشعوبها؛ تُرى المسرح قد هُييء لإحياء القومية الكردية كَفِعل الأمازيع في بلاد المغرب العربي؟

- في كتابه "الأكراد يتامى المسلمين" يقول الباحث المصري فهمي الشناوي: كلُّ مَن حَوْلَ الأكراد يتباهى بالوطنية، ويجعل منها أيديولوجيا،ويتشدّق بالموت في سبيل الوطن، حتى إذا طلب الأخ الكُردي أن يكون له وطن مثلَهم أنكروا عليه ذلك، واعتبروه معتدياً علي ما في يدهم".. والحقيقة لم تكن القومية الكردية يوماً ميتة كي تحيا، وما نهوضها حالياً سوى نتيجة تراخي القبضة القوية للسُّلطة وتعرضها لأضواء الإعلام، والمشكلة كامنة فيمن يخلط بين حداثة معرفته بها وتاريخ وجودها! فمن يقرأ التاريخ سيعرف العديد من الثورات الكردية التي اندلعت - منذ أمدٍ وقبل "سايكس بيكو"- ضد العثمانيين والفرس، ثم ضد المحتل الأجنبي، وفيما بعد ضد الحكومات العربية التي أنكرت حق الكرد في الحياة وسَعَت لوأدهم.. أما عن تمزق الخريطة العربية وشعوبها حالياً فابحثي ياسيدتي عن الاستبداد والظلم.

*مِن سوريا لتركيا وأخيراً تعيش بألمانيا؛ فكيف ترى سوريا من الخارج؟

-سوريا كانت بلداً؛ فأحالها الطغيان إلى مزرعة وسجن، وعندما نهض شعبها ليجعلها وطناً وسكانها مواطنين لا رعية؛ حوَّلها الطاغي إلى ساحة حرب، وما إن أذكُر للأخر أنِّي سوريّ؛ حتى يُقْرن اسمها بالحرب وتجارها وضحاياها لا ببلد وشعب، فقد قسَّمها الطغاة بالدم إلى مِلل ونِحَل؛ شِيع وأحزاب؛ مذاهب وطوائف، فزادوا على فِعْل "سايكس بيكو" مرات ومرات، وإذا كان بمقدور الدول الكبرى إعادة سوريا إلى ما كانت عليه جغرافياً بقوة السلاح، فمن العسير عليها وعلى غيرها إعادتها وطناً وشعباً واحداً بغير قوة الديمقراطية والمساواة والقانون، وذلك - للأسف الشديد- بعيدٌ بعيد.. فالانتصار للمواطن وحقوقه هو الأوْلَى؛ وعلى كاهله تُبنَى الأوطان وليس العكس.

*عربيتك وكُرديتك؛ هل كانتا ازدواجاً أم تكاملاً؟ أضافتا لتميزك أم خَصمتا منه؟

- لم يعد أحد بمنأى عن الإزدواجية الثقافية؛ فهي حادثة بفعل العولمة والتفاعل أو الحوار الحضاري، غير أن ازدواجية الكردي لا تشبه بأي حال ازدواجية ثقافة العربي مع الثقافات الأخرى؛ لأنها لم تكن خياراً وتفاعلاً؛ بل غُبناً سياسياً وصَهراً له ولثقافته، ولأني كردي الأب بينما الأم كردية المنشأ؛ عربية اللغة؛ سريانية الأصل، تكاد تكون الثقافة العربية المصدر الوحيد لثقافتي التي نهلتُ منها وكتبتها بخصوصية كردية، وهذا عامل غِنى بالتأكيد.      

*اطّلعتُ على كتاباتك؛ فما قصتك مع الموت؟ وما قصدك بـ "الموت المجاني"؟

-ابتُليتْ عائلتي بوفاة أطفالها فور ولادتهم؛ وحين وُلدتُ لم أكف عن البكاء حتى وهَن صوتي وصار أنيناً وعجز الطبيب، فأيقنوا أنِّي ميتٌ لا محالة، فسارع جارنا لحفر قبرٍ لي، حينه دخلَتْ جارتنا العجوز فدهنت جسدي وفركته، ثم راحت تحشرني تحت ثوبها وتخرجني، وبالفعل؛ حدث غير المتوقع، إذ سرعان ما تماثلت للشفاء، وبَقِي قبري الذي لم يردمه أحد - من شدة الفرحة- شاغراً بانتظاري، وفي طفولتي؛ ترك موت أبي المبكر وصورة وجهه المتقلص أثراً انطبع في ذاكرتي؛ وهو ممددٌ؛ والجرح الغائر في جبهته جراء حادثٍ أليم، بعده بقليل شاهدت رجلاً يقتل ابنه الشاب بسكين كبيرة! فارتعبتُ، وما إن خفَّتْ حدة تلك المشاعر حتى أيقظتها القيامة السورية ومشاهد القرابين البشرية التي تُقدَّم على مذابح الموت المجاني التي تصنعها الحروب المجنونة؛ تلك التي ينحرف بها الطغاة والمتطرفون الممسوسون والسفهاء وتجار الحروب عن أهدافها النبيلة؛ والذين تحولوا إلى دُمى في يد اللاعب الدولي، كل شىء ياسيدتي في الحروب ترتفع قيمته إلا الإنسان، أما الحروب العادلة فميّتها شهيد، لذا فخشيتي لا تقتصر على موتي؛ بل على كل جميل حولي؛ الأقرباء والأصحاب والأطفال والنساء والأشجار والأمل

---------

حوار: حورية عبيدة

 

أهم الأخبار

اعلان