23 - 08 - 2019

الخلافة العثمانية وإبادة الأرمن

الخلافة العثمانية وإبادة الأرمن

فى تطورغيرمتوقع بين فرنسا وتركيا.. وجه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون (صفعة) قوية لنظيره التركى رجب طيب أردوغان، بإعلانه يوم 24 إبريل يومًـا وطنيا فى فرنسا، لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن (أهرام 7 فبراير2019) 

بداية الكوارث:

فى عام 1514 استولى العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول على أرمينيا بعد إلحاق الهزيمة بالفرس الصفويين.. ومنذ ذلك التاريخ بدأ مسلسل بطش الحكام الأتراك ضد الأرمن (كما فعل الفرس الذين قتلوا 30 ألف إنسان أرمنى) 

ولأنّ الشعب الأرمنى (مؤمن) بالحياة، لذلك كان تسامحه مع البطش التركى، إذْ تذكرالموسوعات أنّ الأرمن هم أول من أسّسوا الصحافة فى تركيا.. وكان (دريان كليكيان) الصحفى والبروفسورالأرمنى فى جامعة استانبول.. هو مؤسس الصحافة فى تركيا.. كما ساهم الأرمن فى تحديث تركيا.. خاصة فى مجالات الأدب والفن والعمارة والهندسة.. وصمّموا العديد من المبانى فى الدولة العثمانية، بما فى ذلك الحمامات العامة والقصور و(المساجد) والكنائس ومعظمها كانت فى الأستانة.  

ثم بلغتْ قمة المأساة عام1915التى راح فيها (على أقل تقدير) مليون ونصف مليون إنسان أرمنى (مع ملاحظة وجود مذابح سابقة على هذا التاريخ) وفى يوم 24 إبريل 1915 تم اعتقال أكثر من 250 ألف من أعيان الأرمن فى استانبول.. وقام الجيش التركى بطرد الباقى من منازلهم وأجبروهم على السير مئات الأميال إلى الصحراء، مع حرمانهم من الماء والطعام.. وفى المذابح الجماعية كان القتل لايُـفرّق بين العمر أوالجنس.. كما تـمّ الاعتداء الجنسى واغتصاب النساء والفتيات.. وكان القتل ممنهجًا خلال وبعد الحرب العالمية الأولى بواسطة المجازر والترحيل القسرى.  

ورغم كل ذلك حافظ الشعب الأرمنى على تقاليده وعلى ثقافته القومية.. وبرز عدد كبير من الأرمن فى مجال الموسيقى ذات التراث الأرمنى.. حيث تمّ استخدام آلات موسيقية أرمنية.. وحافظ الشعب الأرمنى على الأغانى والرقصات الشعبية.. ويعتبر (ريتشارد هاجوبيان) من أشهرالموسيقيين الأرمن. 

الأرمن المصريون: 

شهد عصر محمد على (1805- 1848) توافد الأعداد الكبيرة من الأرمن على مصر.. واستعان بهم فى وظائف الحكومة.. والاستفادة من خبراتهم الفنية فى شتى المجالات. ثـمّ حدثتْ الكارثة بعد يوليو1952.. وخاصة بعد قرارات التأميم التى لم تـُفرّق بين الصناعات الكبيرة والمشروعات الصغيرة، فهاجرعدد كبير من الأرمن إلى أوروبا.. وتوجد حاليًا جالية أرمنية تبلغ حوالى ثمانية آلاف معظمهم فى القاهرة والإسكندرية، بينما كان عددهم قبل يوليو 52 أكثر من ستين ألفـًا.. ومن مشاهير الأرمن نوبار باشا (1825- 99) الذى يعتبر أول من شغل منصب رئيس وزراء مصر. وعمل مترجمًا لمحمد على والخديو إسماعيل.. وأدار مرفق السكك الحديدية.. وإليه يرجع الفضل فى إنشاء الخط الحديدى الإسكندرية – السويس.. واستطاع أنْ ينتزع من السلطة العثمانية فرمانات 1866، 67، 73 والتى بمقتضاها تمّ تعديل نظام وراثة العرش.. كما استطاع أنْ يُـقنع العثمانيين بمنح الخديوإسماعيل حق عقد الاتفاقات مع الدول الأجنبية.. وزيادة قوات الجيش..والأسطول المصرييْن.

وكتب عنه كثيرون أنه أول ((من دعا إلى مصر للمصريين)) وأنه أحد الذين خدموا الأمة المصرية.. وأقوى شخصية قادتْ سفينة مصر وسط العواصف.. وقال فى مذكراته ((كانت مصر مُـلزمة بأنْ تدفع ثلاثمائة ألف جنيه استرلينى سنويًـا للسلطان العثمانى، تــُـرسلها على أنها (جزية) ونظرًا لجهود نوبار باشا لصالح مصر، لذلك تـمّ عمل تمثال من البرونز.. وتمّ وضعه فى جنينة عامة بالإسكندرية عام 1903   ولكن ضباط يوليو 1952 قرّروا رفع التمثال من مكانه عام 1966.. وتمّ دفن التمثال فى فناء متحف غير مشهور.. ونشرتْ صحيفة الجمهورية الخبر يوم 29 نوفمبر 1966  وقال مُحرر الخبر ((وهكذا أسدل الستارعلى مؤسس المحاكم المختلطة فى مصر)) (نبيل زكى: نوبار فى مصر- هيئة قصور الثقافة– عام2006 وكتاب اليوم عام 91)  

ومن بين المشاهير الأرمن فنان الكاريكاتير(صاروخان) والفنانات فيروز، نيللى، لبلبة وأنوشكا.. وساهم الأرمن فى تعليم شعبنا المصرى بعض الحِرف مثل المشغولات الذهبية وتصليح الساعات والتصويرالفوتوغرافى وفن تقنيات صناعة السينما والخراطة.  

وإذا كانت الثقافة المصرية السائدة بعد يوليو 52 لم تهتم بتاريخ الشعب الأرمنى، فإنّ المثقفين المصريين قبل ذلك التاريخ، أولوا اهتمامًا كبيرًا بذلك الشعب العظيم.. وما تعرّض له على يد سلطة الخلافة العثمانية.. من ذلك ما ورد فى مجلة الفجرالجديد – عدد أول أكتوبر1945- عن تاريخ الشعب الأرمنى وموقعه الجغرافى.. حيث ظلــّـتْ الهضبة الأرمنية على توالى العصور هى طريق التجارة والغزوات.. ولذلك اضطر الشعب الأرمنى منذ البداية للدفاع عن استقلاله دفاعًا مجيدًا، أريقتْ فيه دماء كثيرين من هذا الشعب العظيم.. وفى أرمنيا اصطدمتْ جيوش الفرس والعرب والمغول.. وتلتها جيوش الترك والروس.. فقدتْ أرمنيا استقلالها عام 1375 ولكن فى عام 1878 انتعش أمل الأرمن فى أنّ حلمهم بالاستقلال كاد يتحقق.. حيث أنّ البلقان كان فى ذاك الوقت يهز نير الاستعمار التركى.. وقد انتهتْ الحرب التركية/ الروسية بأنْ أجبرتْ روسيا تركيا أنْ تضمن للشعب الأرمنى حكمًا ذاتيًا محليًا واسعًا (أى منحه سلطات حقيقية) ولكن الاستعمار الأوروبى– والبريطانى خاصة – لم يُعحبه هذا المسعى الروسى، فتدخلتْ الدول الأوروبية لوقف مشروع الحكم الذاتى.. ولكن مع مزيد من الضغط الروسى.. والإرادة الشعبية الأرمنية، قبلتْ تركيا بأنْ تتعهد بالقيام ببعض الاصلاحات لصالح الأرمن.. ولكنها لم تـُـقـدّم أى ضمان عملى لتحقيق ذلك.. وكانت النتيجة أنّ تركيا لم تلتزم بتعهداتها، بل إنّ السلطان عبدالحميد أصرّ على تنفيذ سياسة ((محو الشعب الأرمنى من الوجود)) حيث استمرتْ أعمال القتل والنفى لمدة 40 سنة.. وبلغتْ ذروتها عام 1915، ففى هذا العام كانت تركيا قد حالفتْ الاستعمارالألمانى الذى كان يعمل على إنشاء خط سكة حديد (برلين- بغداد) وكانت أرمنيا فى طريق هذه السكة الحديدية، فاتفق الحكام الألمان مع الأتراك على نزع الأقاليم الأرمنية من سكانها نزعًا كاملا. ثم بدأتْ محاولة القضاء على الشعب الأرمنى وإبادته يوم 24 إبريل 1915 بطرد 2 مليون إنسان أرمنى من مساكنهم ونقلهم إلى الصحراء.. وكانت العصابات التركية تـُهاجم باستمرار الطريق، فتسبّب ذلك فى قتل مليون ونصف مليون من الرجال والنساء والأطفال فى مأساة ليس لها نظير إلا فى المعتقلات النازية.. كما حدث فيما بعد.   

إنّ درس إحياء ذكرى المذبحة التى ارتكبها حكام تركيا عام 1915، دليل ساطع على أنّ حكومة أرمنيا والشعب الأرمنى من بين الشعوب التى تهتم بما حدث فى الماضى (رغم آلام التذكر) لتكون رسالتهم إلى كل الشعوب هى أنّ التمسك بالشخصية القومية وبمجمل الثقافة القومية.. هو الذى صنع أرمنيا الحديثة، التى استطاعتْ أنْ تـُوجـّه صفعة قوية ومُـدوية على وجه السلطان الذى يحكم تركيا حاليًا فى عام2019.. والذى يسعى لعودة (أمجاد) الخلافة العثمانية.. وكان من (أعظم انجازاتها) إراقة دماء الشعوب المُسالمة المُـتحضرة.
---------------------------
بقلم: طلعت رضوان

مقالات اخرى للكاتب

الحكم العسكرى ومنهج القمع التاريخى

أهم الأخبار

اعلان