21 - 01 - 2019

الجامعة العربية بين الواقع والوهم

الجامعة العربية بين الواقع والوهم

بعد شهر طوبة/ يناير 2011 (بشكل خاص) ارتفعتْ مؤشرات الانقسام العربى/ العربى.. ووصلتْ ذروتها بعد العداء الصريح والمباشر بين السعودية وقطر..وتبادل السباب والاتهامات المتبادلة.. وانضمتْ دولة الإمارات للسعودية.. وكأنّ الدول الثلاث (من الأعداء) وليستْ (الشقيقة- كما كان يزعم الإعلام العربى) وفى ذروة تالية كان تقسيم سوريا وتدميرها.. وعودة اليمن إلى عصور ما قبل التاريخ الإنسانى (عصرالكهوف) وعندما أشاهد فى الفضائيات صورالشعب اليمنى (جــِـلد على عضم) وعندما أشاهد مظاهرات الأصحاء من الشعب اليمنى.. وهم يـُـطالبون بخروج الاستعمارالسعودى/ الإمارتى من اليمن، أتساءل: هل (شعارات الوحدة العربية) كانت صادقة عند من أطلقوها؟ أم كانت لهدف آخر؟ وهل هذا الهدف هو ما انتتهى إليه الحال بالتطبيع السعودى والإماراتى مع إسرائيل، التى طالما وصفها الإعلام العربى بأنها ((دولة مزعومة))؟ وكل هذا جعلنى أتساءل: ما دور الجامعة العربية، مع كل هذه الكوارث العربية.. خاصة نزاع الحدود بين الأشقاء (العرب)؟  

تعتمد جامعة الدول العربية فى إنفاقها على تنقلات أمينها العام ومخصصاته المالية وكذا رواتب جيش موظفيها على المبالغ السنوية التى تدفعها الدول العربية خصمًا من حقوق شعوب هذه الدول. فهل لهذه الجامعة دور فعال فى حل النزاعات الاقليمية لتحقيق الاستقرارالاجتماعى، وهل لها دور فعال) لصالح القضية الفلسطينية فتستحق الاستمرار؟ لعلّ الوقائع التالية تساعد على الإجابة. 

بعد أنْ سيطرتْ العصابات الصهيونية على فلسطين، أعدّ مبعوث الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت مشروعًا لتوحيد فلسطين وشرق الأردن فى وحدة من جزأيْن (عربى ويهودى) ويكون معظم (النقب) للعرب ومعظم (الجليل) لليهود. أما القدس فتبقى ضمن القسم العربى وتوفير حكم ذاتى للجالية اليهودية. اعترض اليهود على مشروع برنادوت واغتالوه يوم 17/9/48.. والمفاجأة التى تـُثير دهشة الباحثين هى: لماذا رفضتْ جامعة الدول العربية مشروع برنادوت رغم إيجابياته لصالح الفلسطينيين.. وفق موازين القوة التى رجـّـحتْ كفتها لصالح (العصابات الصهيونية) الذين انتصروا على جيوش خمس دول عربية + الجيش المصرى؟ وما مغزى أنْ يتحد موقف اليهود وموقف الجامعة العربية ضد مشروع برنادوت؟ 

وذكر المؤرخ الفلسطينى عبد القادر ياسين أنّ مثقفين عربا موالين لأمريكا أنشأوا (المكتب العربى) على رأسهم (موسى العلمى) الذى كان محور نشاطه الدعوة إلى التعاون مع الإنجليزوالأمريكان.. وأوصى مكاتبه- كتابة- بعدم نشرالأنباء والتعليقات التى تـُسىء إلى الإنجليز والأمريكان.. وتجنــُب كل مايؤدى إلى تشجيع أعمال الجهاد والقوة. المفاجأة (التى تـُثير دهشة العقل الحر) أنّ موقف رئيس المكتب العربى تعزّز بعد أنْ اختارته الجامعة العربية عام1945مندوبًا لفلسطين فى الجامعة (كفاح الشعب الفلسطينى قبل عام 48- مركزأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية- مايو75 ص 204، 205) فلماذا اختارتْ الجامعة العربية هذا الشخص المشبوه الموالى للأمريكان والمعادى للكفاح الوطنى الفلسطينى ليكون مندوب فلسطين بها؟  

ولعلّ غزو جيش العراق لدولة الكويت، أنْ يُساعد العقل الحرعلى جدوى استمرارالجامعة العربية. فقبل الغزو بشهورملأ صدام حسين الدنيا بتصريحاته (المصحوبة بالتهديد) حول حق العراق فى بعض الآبار البترولية الواقعة داخل الأراضى الكويتية. فهل تمكنتْ الجامعة العربية من حل النزاع (دبلوماسيًا) بين دولتين عربيتين؟ وبعد الغزو هل استطاعتْ- أوكان لها دور بالأساس- فى منع الدولة الكويتية من الاعتماد على الأمريكان لطرد الغازى (العربى) المحتل؟ وفى هذا السياق كتب أ.سلامة أحمد سلامة ((سارعتْ الكويت - حتى قبل أنْ يصدرمجلس الأمن قراره بشأن العراق- إلى التأكيد على عزمها وضع أراضيها وتسهيلاتها فى خدمة الغزو الأمريكى للعراق)) (أهرام 10/11/2002) وبعد تحريرالكويت، هل استطاعتْ (توحيد) العرب لمنع احتلال العراق؟ وإذا كان الخطاب السياسى للجامعة العربية، يرى أنّ أمريكا هى الداعم الأول لسياسة إسرائيل التوسعية، فلماذا لم تتخذ أى إجراء لمنع إقامة القواعد الأمريكية فى دول الخليج العربى؟ وهل تستطيع الجامعة التدخل فى هذا الشأن، مع حقيقة أنّ ميزانيتها تـُموّل من هذه الدول؟ وفى هذا السياق ذكر وزير الخارجية القطرية الشيخ حمد بن جاسم أنّ ((على دول الخليج ألا تخجل من الاحتماء بالولايات المتحدة الأمريكية..ولا تخجل لوجود القوات العسكرية الأمريكية فى المنطقة)) (أهرام 12يناير2004ص 8) وفى نفس العدد كتب أ.سلامة أحمد سلامة ((قال سيف الإسلام القذافى أنّ بريطانيا وافقتْ على تدريب الجيش الليبى فى إطار صفقة تاريخية.. ولم يُمانع سيف الإسلام فى منح قواعد عسكرية لقوات بريطانية وأمريكية قائلا "إننا نتخلى عن أسلحتنا ومن ثـمّ فنحن نحتاج إلى مظلة دولية لحمايتنا"..وقال إنه أقام علاقات وثيقة مع المخابرات الأمريكية والبريطانية.. وتساءل أ.سلامة ((المظلة الدولية (الأمريكية) لحماية ليبيا  ستكون ضد من؟وفى حالة النزاع بين دولتيْن عربيتيْن (مثل النزاع بين الجزائر والمغرب وبين العراق والكويت التى تـُطالب بتعويضات عن الغزو العراقى..والنزاع بين سوريا والعراق بسبب دعم سوريا للبعثيين الصداميين الذين يقتلون الشعب العراقى) فى هذه النماذج (وغيرها كثير) مع من تقف الجامعة العربية؟ مع الدولة صاحبة الحق، أم يقتصردورها على (تطييب الخواطر) بالكلام الإنشائى، بمراعاة أنّ الدولتيْن المتنازعتيْن تـُمولان ميزانيتها؟ والأكثر فداحة ماذا فعلتْ الجامعة لوقف المخطط الأمريكى لتقسيم العراق إلى ثلاث دول (كردية وسنية وشيعية) وهو المخطط الذى وافق عليه مجلس الشيوخ الأمريكى يوم 26/9/2007؟ وماذا فعلتْ لوقف ظاهرة (اللاجئين العراقيين) الذين هربوا من جحيم المذابح اليومية وعددهم أكثرمن 4مليون؟  

وماذا فعلتْ جامعة الدول العربية لوقف احتلال سوريا للبنان منذ عام 1976؟ وبعد أنْ نجح الشعب اللبنانى فى طرد المحتل السورى كتبتْ الكاتبة نادية عيلوبى ((سوريا التى أغاظها نجاح الانتفاضة اللبنانية فى معركة الاستقلال التى نجحتْ فى طرد قوات الاحتلال السورى من لبنان، ظلتْ تـُحيك المؤامرات ضد هذا البلد، بل إنها ظلتْ تتحين الفرص من أجل الانتقام من لبنان الحروالمستقل.. ولم تجد أداة أفضل من عملائها لخوض غمار هذا الانتقام الذى جاء على يد حزب الله)) (دراسة فى كتاب حزب الله- الوجه الآخر- المكتبة الوطنية بالأردن- عام 2008 ص 60)  

***

أليست الأمثلة السابقة- وهى قليلة جدًا بالقياس إلى المادة المحفوظة فى أرشيفى- تدعو إلى إلغاء الجامعة العربية.. وتوفيرميزانيتها للشعوب المطحونة فى البحث عن (رغيف عيش) نظيف وبسعر يتناسب مع دخل الفقراء؟  
----------------------
بقلم: طلعت رضوان

مقالات اخرى للكاتب

هل دار الإفتاء تابعة للبحث العلمى؟

أهم الأخبار

اعلان