24 - 06 - 2019

النص الكامل لحوار حمدين صباحي: العدوان على الدستور معناه تنصيب مستبد لـ 30 عاما(1 من 2)

النص الكامل لحوار حمدين صباحي: العدوان على الدستور معناه تنصيب مستبد لـ 30 عاما(1 من 2)

ينفض أحزانه ويتخلى عن صمته في حوار مطول مع المشهد

يخططون لمصادرة حق المصريين في اختيار حاكمهم وإلغاء الثمرة الوحيدة الباقية من 25 يناير

النظام يحاول إزاحة سلم الوصول للسلطة وهي نفس التهمة الموجهة لحكم الإخوان

مصادرة حق التداول السلمي للسلطة يفتح الباب للعنف والإرهاب

كل من عدل الدستور طمعا حرم من نتائج تعديله .. وهي من سنن مصر لكن الطامعين لا يتعظون

لا وطنية تشرع ان تحتكر السلطة وتستبد وتلقي بمعارضيك إلى غياهب السجون وتكمم الأفواه وتجوع الناس

ما يخططون له يجهض روح الدستور لأنه سيقول سأنصب فردا واحدا حاكما مدى الحياة

احتقار الشعب والنزعة النرجسية المتغطرسة يعني أن أحدا لم يتعلم من مشهد ملايين 25 يناير و 30 يونيو

لأول مرة: رواية كاملة لملابسات 30 يونيو.. كيف أزاح الجيش الجميع؟

- أعترف بأننا أخطأنا مرتين ولم يكن لدينا كفاءة تكتيكية لإدارة وضع السلطة بعد الثورة

- ليس هناك شعب يقوم بثورة ثم يسلم السلطة لجزء من الدولة القديمة التي ثار عليها

- تهديدات الإخوان ساعدت في سرقة موجة 30 يونيو .. لأنها حولت مزاج الناس من القادة المدنيين إلى من بيده حمايتهم منهاآ 

- يوم التفويض تم فيه موضوعيا نقل ولاء الحركة الشعبية المصرية من قيادة مدنية كانت جديرة بإقامة دولة ديمقراطية

- عاندت موجة المزاج العام بخوض انتخابات 2014 لأني لم أرد خذلان جيل.. لكني خسرت كثيرا

طوال سنوات "الثورة الموؤدة" ظل حمدين صباحي الرقم الصعب بين سياسيي مصر، تعلقت به العيون في الميادين والقلوب على الشاشات، في لحظة كان يفصله عن كرسي الحكم خطوات قصيرة، وفي لحظة تالية وجد نفسه وحيدا في "مظاهرة لم تتم" اعتراضا على إهداء والي مصر جزيرتي تيران وصنافير لملك السعودية، في اقتطاع غير مسبوق من أرض الوطن لم تشهده مصر حتى تحت احتلالات دامت ألفي عام.

"واحد مننا" كما كان شعار حملته الانتخابية في 2012، التي حاز فيها على نحو 5 ملايين صوت، اضطرته "سلطة مستبدة أغلقت المجال العام وقتلت حلم ثورتين" أن يجلس مراجعا ما مضى، متأملا جدارية معلقة في مكتبه وهو محمول على الأكتاف في الميدان وحوله سواعد كان بإمكانها أن تبني وطنا ديمقراطيا، وعيون مفعمة بآمال وطموحات انكسرت ولو إلى حين، لكن انهمار النور من جداريته يبقي "اليقين" بأن شعب مصر العظيم، قادر في لحظة على تغيير المعادلات في لحظة والعصف بجلاديه، لذلك يعاكس موجة "محاولة قتل الأمل" التي يريدونها لمصر، ويقرر أن "يربي الأمل" على نحو مايذكر، مرددا مقولة محمود درويش

في هذا الجزء من الحوار يتحدث حمدين صباحي عن جريمة تعديل الدستور، وملابسات اختطاف ثورة 30 يونيو والتي لعبت تهديدات الإخوان من على منصة رابعة، الدور الحاسم فيها .. وهذا نص الحوار:

* نبدأ من آخر المستجدات وهي ماتسرب من رغبة السلطة في تغيير الدستور،ومحاولة جس نبض الشارع المصري قبل الشروع في ذلك سواء بدفع أحد المحامين لرفع قضية أمام القضاء المستعجل أم مقال أحد الكتاب المقربين لفتح نقاش عام في الأمر، كيف تقرأ ما يحدث؟

- رغبة هذه السلطة في تعديل الدستور هو استمرار لأخطائها. هذا الشعب الذي يتحمل اليوم أوضاعا اقتصادية ظالمة وغلاء فاحشا وفقرا مدقعا وظلما للفقراء لم يشهدوا مثيله وإزاحة عنيفة وغليظة للطبقة الوسطى إلى أسفل الهرم الاجتماعي، يتحمل ضعف الجنيه المصري كأحد خطايا التعويم وما نجم عنه، وهذا التزايد المهول في حجم الديون الخارجية بأعبائها الملقاة على مصر، غياب التنمية مع تسارع نمو لا يخدم مصالح الناس وبالذات في القطاع العقاري والتوسع في مشاريع ليس لها عائد اجتماعي وإنتاجي، كل ذلك وضع مصر في أزمة اقتصادية تحولت بموجبها من بلد بفكر ويخطط وينتج، لكي تتضاعف ثروته، فيوزعها بالعدل، على من بذلوا العرق واخلصوا ليعيشوا حياة كريمة، إلى مجرد سلطة أشبه ماتكون بمنفذ لتعليمات صندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الغربية، تشتري رضا الأجنبي على حساب فقر المصريين، وتمارس نموذجا مشوها في النمو وإهدارا سفيها للموارد، لا هو مخطط ولا يؤمن حتى – كما قيل – بجدوى دراسات الجدوى، نحن أمام أزمة اقتصادية عميقة، وهذه بدورها خلقت أزمة اجتماعية عميقة، لأن غالبية المصريين من الفقراء والطبقة الوسطى يشعرون بظلم حقيقي.

فإذا أضفنا لهذه الأزمة الرئيسية – أزمة الفقر والغلاء وقلة الحيلة وعجز الناس عن إشباع احتياجاتهم وانسحاب الدولة من دورها كمسؤول عن تأمين الحاجات الأساسية للمصريين- نضيف لهذه الأزمة أزمة الحريات المختنقة على يد هذه السلطة في مصر. تضييق غير مسبوق لم نره من قبل وانفراد – واستفراد- بالسلطة وبالقرار على حساب الناس، أشرف من في مصر يدخلون السجون، لا لشيء إلا لكلمتهم، لا حملوا سلاحا ولا دعوا لإرهاب ولا دعموا عنفا ولا قرظوه أو استحسنوه، معصوم مرزوق ورائد سلامة ويحيى القزاز ومن معهم، محمد منيب وعبد الحليم قنديل ومن معهم، عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد القصاص، أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح، هذا سيل من أولاد مصر المخلصين ممن قالوا كلمة ألقتهم في الزنارين، لماذا مصر تدفع أولالدها للسجن لأنهم قالوا كلمة حق في وجه سلطان جائر، ناهيك عن أن شخصا مثل مصطفى النجار، لا يعرف أهله أين هو في دولة ليس فيها شيء تستطيع أن تعتد به إلا الأمن، أمن يدير الدولة .. سلطة - كما قلت منذ سنوات وأؤكد- تتضخم عضلاتها الأمنية ويضمر عقلها السياسي، حتى هذا الأمن لا يستطيع إخبارنا أين اختفى مصطفى النجار؟.

* ألا تعتبر أن كل ماحدث من جور على الحرية، كان مقدمات لمحاولة مصادرة المستقبل لحساب السلطة القائمة؟

- هذا نهج تتبعه السلطة، وهو قائم على فكرة رئيسية، تجفيف السياسة وحصار البدائل ومنع ظهور بديل عن هذه السلطة يمكن أن ينظر إليه المصريون بثقة أو يراهنوا عليه، السلطة تجفف كل شيء حولها، تستخدم سياسة الأرض المحروقة بمنطق "أنا أبقى في السلطة وحيدا مستبدا ولا ينافسني أحد" وكما كان فرعون يأخذ كل وليد ليتخلص منه كي لا ينافسه، هذه السلطة تجفف كل بديل عنها وتمنعه، بالسجن وبالحصار وبالتضييق وبالقمع وبالمنع وبالاغتيال السياسي وبتشويه السمعة، لأنها لا تريد للمصريين أن يروا بديلا.

الشعب المصري واع، ذكي، فطن بطبعه، وخبير،"وفاهمها وهيه طايرة"، رغم غلبه الظاهر وصمته الذي هو جزء من بنيته التي عاصرت كثيرا جدا من تجارب القهر والاستبداد على يد طغاة محليين أو غزاة أجانب، فالشعب يعرف كيف يصمت لكنه يفهم، ويعرف كيف يصبر لكنه يعرف، هو يعرف جيدا أن السلطة التي ترفع عليه أسعار لقمة عيشه وتمنعه من أن يعيش حياة كريمة، هي نفسها من تكتم صوته وتمنع أي صوت معارض وفلسفتها: "اخنق أي بديل قبل أن ينمو".

فإذا نظرنا للتصحر السياسي الذي نعيشه، وحصار الإعلام إلى درجة احتكاره لصالح أجهزة أمنية، هذه ليست مصر، وهذه ليست الصحافة، والصوت الحر يدفع ثمنا صعبا جدا لكي يصل، وإذا كنا نعاني كل هذا الفقر والعجز عن التنمية على مستوى الاقتصاد، وكل هذه التفرقة بين أغلبية مطحونة محتاجة، وأقلية مترفة تموت من التخمة، ونعاني في نفس الوقت هذا الحصار على الحد الأدنى من حرية الكلمة والرأي والحركة والتنظيم، وهنا تتساوى الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تعرضها جميعا لأشكال متنوعة من المحاصرة والملاحقة والمنع والقمع، وحتى القضية الوطنية – وهي ثابت في وجدان المصريين عبر تاريخهم- تعرضت للطمة مخزية مؤلمة مهينة غير مسبوقة بالتفريط في تيران وصنافير. هذه الملامح الرئيسية لإنجازات السلطة التي تحكمنا الآن، فحينما تأتي السلطة لتقول أريد تعديل الدستور يكون ذلك أداء يشبهها تماما ويليق بها ويتناسب مع جملة اختياراتها وانحيازاتها وسياساتها وممارساتها.

لماذا تعديل الدستور؟ لأن الدستور- الذي لم يطبق بالمناسبة – وهو مهدر ويمثل زينة ثقافية وليس قواعد مفعلة تعيش في حياة المصريين، هذا الدستور نص عظيم وهو أشبه بجسد بلا روح، من أماته؟ طغيان هذه السلطة واستبدادها ورغبتها في أن تنفذ ماتراه.

الدستور الذي يحظر قطعا التنازل عن أي جزء من أرض هذا الوطن، تمت الإطاحة به حين فرط عمدا في تيران وصنافير.

* وتم التفريط باسم الوطنية!!

- طبعا إدعاء الوطنية من هذه السلطة لا يشبهه إلا ادعاء الدين من سلطة مضت، سلطة تاجرت بالدين لتنفرد على حساب باقي المصريين ، وسلطة تتاجر بالوطنية لتنفرد على حساب باقي المصريين. سلطة تحتكر الدين وأخرى تحتكر الوطنية، والحقيقة أن الدين بريء ممن يحتكرونه والوطنية بريئة ممن يحتكرونها، لأنه لا دين يمكن أن يشرع أن تقصي سواك وتغبنه وتزيحه وتستولي على كل قرار كما حاولت سلطة مضت باسم الدين، ولا وطنية تشرع ان تحتكر السلطة وتستبد وتلقي بمعارضيك إلى غياهب السجون وتكمم الأفواه وتجوع الناس .. لأنه لا وطنية في هذه الأشياء ولا خير للدولة ولا للشعب.

هذه السلطة تأتي لتقول لنا أنها تريد تعديل الدستور، أنت تعاني من أن دستورك غير مفعل، فتجد السلطة التي عطلت الدستور وضربت بأحكامه عرض الحائط ، وانتهكته انتهاكا فاضحا في تيران وصنافير وغيرها تريد الآن أن تعدله .. لماذا؟ لكي يمد للرئيس مدة بقائه على قمة هرم هذه السلطة.. هذا هو الغرض الرئيسي من التعديل المطروح علينا. ويقال الآن لهذا الشعب العظيم الذي صمد وعانى وصبر وثار وصاغ دستورا هو الإنجاز الوحيد "الممسوك في اليد" لثورة 25 يناير و30 يونيو، حتى هذا الانجازالوحيد غير المتحقق سيتم خطفه من أيديكم، والرئاسة التي كانت محكومة بمدتين فقط كل منها 4 سنوات ، كي تضمن الحد الأدنى من الرشد، وهو تداول السلطة سلميا، حتى هذا النص ستتم الإطاحة به. مكسب ثورة يناير الوحيد، الآن هم في حالة تهيؤ للإغارة عليه، للقضاء على ما بقي من الآثار الإيجابية لهذه الثورة.

محاولة تعديل الدستور عدوان على حق المصريين في أن يختاروا حاكمهم عبر تداول سلمي للسلطة، عدوان على الثمرة الوحيدة الباقية من 25 يناير، عدوان على حق الشعب المصري في أن يعيش في دولة قانون لأن تعديل الدستور لفتح مدد الرئاسة معناه أننا ننصب مستبدا دائما، هو الآن مستبد وليس ديمقراطيا، ولكنه محكوم بأن استبداده 8 سنوات، يريدون أن يكون هذا الاستبداد استبداد الـ 30 سنة، كما كان في زمن مبارك.

الحقيقة أن كل من عدلوا الدستور – وهذه سنة مصرية – لم يستفيدوا به، كل من حفر لدستوره حفرة وقع فيها – وهو تعبير جميل لصديقنا عمار علي حسن – السادات ومبارك عدلا الدستور دون أن يستفيدا، كما أن الإعلان الدستوري أودى بمرسي، يعدلونه طمعا فيحرمهم ربنا من نتائج طمعهم، ولكنهم لا يتعظون.

* بنص الدستور .. هذا النظام يستند في شرعيته إلى 25 يناير، وهو ينقض على آخر مكاسبها. هل يعني هذا انقلابا كاملا على الثورة وإزالة آثارها وإعادة الأمور لأسوأ مما كانت عليه في عهد مبارك؟

- الأمور عادت بالفعل لأسوأ مما كانت أيام مبارك، فالسلطة التي تحكمنا هي النسخة الرديئة من مبارك، والسلطة الموجودة لا تنتمي إلى 25 يناير و 30 يونيو ولا لقيم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والكرامة الإنسانية ودولة القانون والحريات، هذه السلطة ضد كل هذه المعاني والقيم التي قالها شعبنا بقلبه ولسانه في الميادين في يناير ويونيو، ليس من اليوم ولكن منذ سنوات، وهي اليوم تتوج مسيرتها المضادة للثورة بأن تعدل النص الباقي، رغم أنه نص أزهقت روحه، لكنها تحاول التخلص من جثته.

* ماهي مخاطر فكرة إلغاء تداول السلطة، لأن فتح المدد – في السنة المصرية – أن الرئيس الموجود يظل يجدد له لأمد غير محدود، هل ذلك يعني إلغاء المجال العام بشكل تام، أو محاولة منع حدوث أي حراك شعبي، والمصادرة على مستقبل المصريين؟

- ليس تعديل الدستور – بل بعبارة أدق العدوان على الدستور تحت مسمى تعديله – يغلق الباب أمام إمكانية التداول السلمي للسلطة عبر فترات محددة ينظمها الدستور الحالي، وما سينتج عن ذلك أن النضال المشروع للمصريين – وبالذات القوى المدنية والديمقراطية التي هدفت لتأسيس دولة مدنية ديموقراطية حديثة – في دولة قانون تقوم على تداول سلمي للسلطة، سيتم إغلاق الباب، وحين يتم إغلاق باب التداول هذا ستدفع الناس إلى أن يبحثوا عن مصالحهم ليتم تداول السلطة بطرق غير سلمية.

والعدوان على الدستور باسم تعديله هو تشجيع لفكرة الخروج على الدستور وعلى القانون، لأن الشعوب من حقها أن تبحث عن مصالحها ، وأن تحقق أهدافها المشروعة النبيلة بطرق سلمية، إذا اغلق الباب السلمي فتح الباب للإرهاب، نحن ضد الإرهاب وضد العنف، وقضيتنا إثبات قدرة الشعب المصري الذي نثق فيه ونحترمه على أن يغير بالأساليب الديمقراطية سلميا وفقا للدستور، وإتاحة هذا الأمر ستجعل هناك تداول لا إحتكار ، وإذا جاء أحد وقرر أن يحتكر باسم الدستور ويفرض على احتكاره واستبداده صفة دستورية ، الدستور بريء منها وضد روح الدستور هي تأمين حق الشعب في أن يحكم نفسه وأن يغير حكامه وأن يراقبهم ويحاسبهم عبر مؤسسات وإعلام حر وبرلمان مستقل، وعبر تعديل سلوك من يشغلون مواقع السلطة بدءا من رئيس الجمهورية عبر انتخابات حرة مستقلة نزيهة شفافة.

العدوان القادم الذي يخططون له يجهض روح الدستور لأنه سيقول سأنصب فردا واحدا حاكما مدى الحياة، فهل هذا الكلام يحقق مصلحة أو فيه رشد أو احترام للشعب أو إحساس بالعصر أو اتعاظ بالتاريخ؟ أرى أن مايخطط له هو تعبير عن افتقاد الرشد.

ماذا يضير هذه السلطة - وهي محل خلاف – لها أنصار وإنجازات ومؤيدون يدافعون عنها، ولها معارضون أشرف بأني واحد منهم، لهم موقف جاد من سياسات وانحيازات وممارسات هذه السلطة، ونقول أن لدينا الأحسن لهذا البلد ، والأنسب لهذا الشعب والأكرم لهذا الوطن والأصدق في التعبير عن هذا الدستور واحترامه، أنت بما لديك ومن معك احتكم مع معارضيك للشعب، إذا حكم الشعب لك سنحترم رأيه، إذا حكم لمعارضيك عليك أن تحترم رأيه، إنما فكرة الحاكم الذي يريد أن يقول أنا ربكم الأعلى وأنا مخلد فيها، وأنا وصلت لقمة السلطة وأزحت السلم.. أليست هذه التهمة التي كنا نقولها عن الإخوان؟ تعديل الدستور يعني الثبات على الكرسي وإزاحة سلم الوصول إليها! من يريد تعديل الدستور الآن؟ هل ملايين المصريين الذين يريدون حياة كريمة وأسعارا حنونة عليهم؟

* ولكن أنصار النظام يرددون دائما أن هناك مشاريع ينبغي أن تستكمل، ودولة يجب أن تبنى وحربا ضد الإرهاب ينبغي أن تنتهي، وتصورهم أن المسألة متعلقة بأشخاص وليس بمنصب الرئيس ومؤسسات دولة، ماتعليقك؟

- هذا حق يراد به باطل، آ طبعا نريد القضاء على الإرهاب ونريد أي مشروع مفيد أن يكتمل، ونريد كل خير لمصر، ونريد قوة وتماسك الشعب والدولة وتجانس المجتمع. وتحقيق هذه الأهداف لايتم بالطريقة التي يقولها أنصار النظام، أولا لأنهم لم يحققوا شيئا من ذلك، وكله مردود عليه وهو مجرد نقاش قد يصح فيه رأي أو رأي مضاد.

لكن الذي لا يصح فيه رأي ورأي مضاد، فكرة أن الوصول للسلطة يجب أن يتم عبر الدستور ولمدة محددة لنضمن تداولا سلميا لها، أليس الشعب الذي اختار هذا الرئيس هو من سيختار الرئيس المقبل؟ هو من يحكم مصر ؟ شعبها الذي يريد أن يعيش بكرامة ويحقق انجازات ويقضي على الإرهاب ويعيش حياة كريمة.. لنتركه يختار. لماذا هذا الاحتقار للشعب والتقليل من شأنه واعتباره غير راشد لدرجة عدم الكفاءة للاختيار، هذه النزعة النرجسية المتغطرسة المضادة للتاريخ القائمة على تحقير الشعب المصري واعتبار غير كفء ليختار رئيسه وحكومته وبرلمانه وممثليه ، هي نزعة يفترض أن تكون انتهت بمشهد الملايين التي خرجت في 25 يناير و 30 يونيو، ومن لم يرد الاتعاظ بمشاهدة هذه الملايين فهو لم يتعلم شيئا، نترك شعبنا يختار وفقا لدستور، عبر انتخابات نزيهة. ومن يريد أن يعرض نفسه فليعرض، ثم أن من يحكمنا الآن تعبير عن سياسة واختيارات في النهاية، وهو ليس الوحيد المعبر عنها، هناك كثيرون مثله ومقربون منه مستعدين لإكمال المهمة بنفس النهج، وهناك معارضون له يرون نهجا أصلح وأنفع لهذا البلد يقيلها من أزمتها ويخرجها مما هي فيه ، اقتصاديا وديمقراطيا ووطنيا، وعلى كل المستويات.

الطريق المفتوح للمصريين هو طريق أن يتبارى هؤلاء عبر تنافس تحكمه قواعد من النزاهة الحقيقية وتتجسد في انتخابات حقيقية، ومن يختاره الشعب المصري نحترمه، لكن أن يأتي أحد ليغتصب لأنه موجود في الحكم الآن، ويسوق برلمانا أغلبيته مصنوعة لكي يعتدي على الدستور باسم تعديله، فيؤبد رجلا محددا على رأس السلطة في مصر 30 سنة أخرى، يعني ذلك أن مصر لم تتعلم شيئا ولم تقدم شهداء ولم تقم بثورة وبموجة أخرى لهذه الثورة. هذا تبديد لما أنجزه المصريون جميعا كشعب عظيم وجسدوه في دستور، ويمثل إطاحة لشرعية 25 يناير و30 يونيو وتبديد لهما، وهما أساس شرعية هذه السلطة في مصر.

* أعداء الدولة المدنية المعادين لثورة 30 يونيو يقولون أن ما يحدث نتيجة طبيعية لـ 30 يونيو وينسبون إليها كل ماحدث بعدها. خرجنا جميعا في 30 يونيو، كنا مؤيدين لخلع الإخوان من السلطة، ولكن كثيرين أصيبوا بالإحباط بعدها .. ما الذي حدث؟

- الذي حدث أن الإخوان استبدوا بالسلطة ، وسقطوا نتيجة خطيئتهم، فحين استلموا السلطة لم يحترموا التنوع الموجود في مصر ، فرضوا مشروع الجماعة على مشروع المجتمع، وقدموا ولاءهم لأنفسهم على ولائهم لشعبهم، فليس عليهم أن على الشعب المصري، لكن عليهم – بشجاعة الرجال إذا كانت لديهم – أن يعترفوا أنهم أخطأوا حينما احتكروا السلطة حينما وصلوا إليها واعتدوا على الدستور، وليست تجربة السادات ومبارك فقط اللذين عدلا الدستور ولم يستفيدا منه، لكن مرسي أيضا أصدر الإعلان الدستوري الذي كان السبب الرئيسي في خروج الجماهير عليه، كل من يلعب في الدستور ربما يكون يتجه إلى نهايته غافلا عما يفعله.

* كل ذلك معروف ومؤكد، لكن سؤالي عما لطموحات وآمال الشعب الذي خرج في 30 يونيو آملا في دولة مدنية بها حقوق وحريات وتداول سلمي للسلطة وتطبيقا للعدالة الإجتماعية وكل مالم يكن قد تحقق من آمال وطموحات 25 يناير؟

- الدرس الذي يفترض أن نعيه ، والخطأ الذي نعتذر عنه ونعترف به أننا خرجنا في 30 يونيو ضد سلطة مستبدة، لكننا سلمنا البلد بعد ذلك في 30 يونيو لسلطة مستبدة أخرى، وكما أن النبلاء من ملايين المصريين في 25 يناير كانوا في الميدان وسلموا السلطة للمجلس العسكري، وهذه كانت خطيئة تاريخية ، لأنه ليس هناك شعب يقوم بثورة ثم يسلم سلطة الدولة لجزء من الدولة القديمة التي ثار عليها، كان خطؤنا في 25 يناير وتكرر بعد 30 يونيو لأن المكون العسكري في قرار ما بعد 30 يونيو بدأ يتضخم.. الثورة قامت بقيادة شعبية مدنية ، تدريجيا ، الجيش عندما انحاز للشعب في 30 يونيو كما انحاز له في 25 يناير ، رغم أن الشعب هو البطل الحقيقي الرئيسي في إزاحة مبارك وفي إزاحة مرسي، ولم يكن للجيش فضل غير أنه انضم لأغلبية الناس ، ورغم أنه لم يكن العامل الرئيسي فيما حدث سلمناه السلطة للمجلس العسكري في 11 فبراير 2011 ثم أن الجيش الذي دخل مع القيادات المدنية التي قادت في 30 يونيو ، بدأ يستولي على السلطة ، ورأيي أنه في يوم التفويض الذي دعا إليه السيسي، وطلب من ملايين المصريين أن ينزلوا لتفويضه ، مستغلا خوف المصريين المشروع من تهديدات الإخوان بالعنف من على منصات رابعة، الإخوان زرعوا عنفا نماه السيسي والشعب المصري، كأي شعب، قدر أن هناك من يدخل عليه بسكين ، فقال لنفسه أذهب لمن معه بندقية ليحميني، لن يذهب للمثقفين والقادة الشعبيين الذين صنعوا الحراك الديمقراطي وجبهة الإنقاذ والفعل الشعبي ومن حركوا 30 يونيو كفعل جماهيري مليوني فلجأوا إلى الجيش ، والجيش الذي كان يقول أنه يحمي الشعب ويستجيب له ، تحول إلى طامع في السلطة ، وأعتقد أن يوم التفويض في 26 يوليو (2013) هو اليوم الذي تم فيه موضوعيا نقل ولاء الحركة الشعبية المصرية من قيادة مدنية ، هي الجديرة بإقامة الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، والتي كانت مؤتمنة على أهداف 25 يناير و30 يونيو، إلى قيادة ذات طابع عسكري أسفرت تدريجيا عن وجهها الاستبدادي عبر مسيرة السنوات التي لحقت، فضاعت من الشعب المصري – ونحن مسؤولين ككقيادات ضمن هذه الحركة سواء في 25 يناير و 30 يونيو – أننا لم نحسن إدارة أن يقطف الشعب ثمرة الثورة بوصول سلطة معبرة عنه – في المرتين الحقيقة أننا فشلنا وتسلم السلطة جزء من جهاز الدولة القديم، فأعاد إنتاج السياسات القديمة بطريقة أقل كفاءة أو أكثر رداءة.

هذا هو الدرس الصعب – وفيه علينا مسؤولية – يجب أن ننتبه لها، لأن هذه الثورة لم تنته ، وهذا ليس آخر المطاف، حتى إذا جاء يوم نهض فيه شعبنا يكون قد تعلم الدرس ، الثورات لن تنجح إلا بأن يصل ممثلوها الحقيقيون للسلطة وينفذوا سياستها، لكن كل ثورة تقضي على رأس النظام وتترك النظام بسياساته واختياراته وآليات عمله، هي انتفاضة نبيلة عظيمة لكنها ليست ثورة. نحن وقعنا في هذا الخطأ.

* كنت في قلب المشهد، وعرضت نفسك لخطر شديد جدا ، سواء في الأيام التي سبقت 30 يونيو أو لحقته، وعشرات من القادة كلهم اختفوا في لحظة وأصبح في صدارة المشهد لاعب وحيد هو وزير الدفاع في ذلك الوقت، كيف تم إقصاء الجميع بهذه البساطة والسهولة وتجيير كل آمال وطموحات المصريين التي خرجوا من أجلها، وتعليقها في رقبة شخص واحد أو مؤسسة واحدة؟

- عن نفسي .. أعترف بأني أخطأت بما أننا وصلنا إلى هذه النتيجة ، نحن خيبنا أمل أناس كثيرين مخلصين من هذا الشعب ومن شبابه، لأنه لم يكن لدينا كفاءة تكتيكية لإدارة وضع السلطة بعد الثورة، نحن أناس طيبون ومخلصون ، لكن الثورة كانت تحتاج – أكثر من الطيبة والإخلاص – قدرة على إدارة هذا الشأن بالغ التعقيد ، المسمى إدارة الدولة فيما بعد الثورة، كنا تطهريين وعندنا من النزاهة ومما يمكن أن يكون استدعاء لبيت الشعر الشهير "أخوض الوغى وأعف عند المغنم" فتركنا المغنم يوضع في يد من هم غير مؤتمنين على مصالح وعلى أهداف الثورة .. هذا كان خطأ منا .. ويحتاج إلى درس وفحص ونقاش حتى نستجليه ، لكن كان هناك عامل ثان أكبر منا ، الخوف. الإخوان أخافوا الناس والجيش قال لهم تعالوا أطمئنكم ، فالناس وقفوا مع الجيش واعتبرت أنه القادر على حمايتهم من تهديد الإخوان بالعنف، الإخوان كحركة تخوض الانتخابات وتعمل بالسياسة كنا نحن الأقدر على مواجهتها ، وقد واجهناها وهي في السلطة، وسقطت على يد هذه الملايين ، لكن حينما تحول الإخوان في اعتصامات رابعة والنهضة إلى مهددين بالدم للركب – كما كانت بعض عباراتهم تقول – تصدى الجيش كي يحمي الشعب من هذا التهديد. فالشعب حول اتجاه الثقة لديه من القيادات المدنية إلى المؤسسة العسكرية. وبمجرد أن حازت المؤسسة العسكرية هذا القبول الشعبي قامت بدور في تنحية كل القيادات ذات الطابع المدني تباعا من المشهد، تنحية مقصودة ومتعمدة، وكل الحلف العريض الذي صنع موجة 30 يونيو ، تم التخلص منه لحساب لاعب رئيسي وحيد هو المؤسسة العسكرية.

* ألم يكن اتفاق بين قيادات جبهة الإنقاذ والمؤسسة العسكرية على الخطوات التالية ؟ وكيف تم إزاحة الجميع؟

- الإزاحة تمت لسببين .. سبب جوهري رئيسي هو الشعور بقدرة الجيش على حماية الناس من التهديد، وهذا كلام صحيح، وأي عاقل في الشارع لن يذهب لمثقف كي يحميه من تهديد بالعنف، سيذهب للضابط الذي يركب المدرعة، هذا سبب، لكن هذا السبب تحول في يوم التفويض – الذي لم أشارك فيه ، لادعوت إليه ولا نزلت – آ لكن أعتبر نفسي أخطأت لأني لم أتصد له علنا ولم أقف ضده، لأنه في ذلك اليوم تم نقل المزاج الشعبي إلى الجيش كي يتصرف، فتصرف الجيش وكان من نتائج تصرفه إزاحة فعلية لكل القيادات الشعبية ذات الطابع المدني والاختيار الديمقراطي والانتماء لمشروع الثورة وأهدافها، بطرق متفاوتة بعضها ناعم وبعضها خشن ، وهؤلاء لم يكن لديهم مايمكنهم من عمل مواجهة مع المؤسسة العسكرية لسبب هو تهديد الإخوان بالعنف – بغض النظر عن قدرتهم الحقيقية على تنفيذ هذا التهديد من عدمه – هذا أشعرنا جميعا أن هناك خوف على بنيان وتماسك الدولة المصرية، فكان في فمنا ماء كثير.

* هل هذا هو ما دفعك إلى قبول خوض انتخابات 2014، الكثيرون يلومونك لأنك خضت منافسة تعرف نتيجتها مسبقا بسبب الملابسات التي أحاطت بها؟ وكنت سببا في إضفاء شرعية على انتخابات يتم توجيهها والسيطرة عليها سواء بشكل ناعم أو خشن؟

- تجربة خوضي انتخابات 2014 تحتاج كثيرا من التأمل، خضت هذه الانتخابات احتراما لرأي جيل شاب منتمي للثورة كان يري – وهو محق في رؤيته – أنه لايليق بمصر بعد ثورتين شعبيتين تجد مرشحا وحيدا أتى من خارج صفوف الثورة، وكان هذا رأيهم. أما رأيي فأن الشعور العام في مصر – تلك اللحظة – كان يريد الجيش وممثله، وأن هذا الشعور لم يكن مع ترشيحي أو ترشيح غيري. كانت قراءتي الشخصية أن الجيش ومرشحه لم يكن يريد منافسا ، لكي يقول في رسالة للعالم أنه محل إجماع لكل المصريين بدون منافسة .. وترشيحي لم يكن على هواه، ولا على هواي الشخصي. لأن رأيي أني لا أدخل هذه المعركة حتى لا أصطدم بالموجة الشعبية التي كانت تقدم الأمن على أي اعتبار حتى لقمة العيش ، بأن نعطي الجيش هذا الموقع في الرئاسة ، ونجعل القادة المدنيين يستريحون حتى نعبر الخوف وينفتح الأفق لإمكانية تطور ديمقراطي بعدها.

خضت الانتخابات لأني لم أرد خذلان جيل، أنا أؤمن جدا بحقه في الأمل وأن يواصل السعي لحلمه، فاحترمت هذا الجيل وخضت الانتخابات، كنت أعلم أن فرصي فيها في النجاح هي الأضعف جدا، خسرت لأني ترشحت على غير هوى موجة الناس الذين كنت طوال عمري معهم، عاندت موجة المزاج العام الذي تعودت احترامه طوال عمري ، ما جعلني اقبل على هذه التضحية - إذا جاز التعبير- احترامي لجيل أصر لدرجة مدهشة واعتبر عدم ترشيحي خذلانا، وقيمة كنت حريصا عليها وهي أن مصر بعد أن أنجزت 25 يناير و 30 يونيو بقيادة شعبية، لا يليق ألا تجد بها مرشحا مدنيا من صفوف هذه الثورة ، يقدم نفسه ويقول أنا قادر على حكم البلد ، وعلى تنفيذ برنامج الثورة وتحقيق أحلام الناس.

وكنت أعتقد أن من الطبيعي أن أكون هذا الشخص لأني كنت مرشحا في 2014 قبل السيسي، وفي انتخابات 2012 كان الاثنان الأعلى مني أصواتا، قد أخذ الشعب موقفا من أحدهما وهو مرسي ، أما الثاني فكان خارج حدود مصر، فكان طبيعيا أن الثورة بعد موجتها الثانية - لو سترشح أحدا أن - تلقي علي هذا العبء، وألقاه علي جيل أؤمن به، وقد خسرت في هذه الانتخابات كثيرا.
--------------------------------------
حوار: مجدي شندي - تصوير: بسمة رمضان

أهم الأخبار

اعلان