22 - 03 - 2019

دستور تحت التغيير

دستور تحت التغيير

على قدم وساق، في الخفاء والعلن تتخذ عملية تغيير الدستور مسارها، تنتقل من الأجهزة الأمنية إلى أروقة البرلمان ومن دواوين الحكومة إلى سدنة الإعلام،لا تحتسب لمعارضة ولا تهتم لموقف الداخل أو الخارج، لا يعنيها حكم تاريخ أو مستقبل وطن، فهي تسير عمياء يقودها متاجرون لا مصلحون.

فالإصلاح الذي تأخر بدعوى أحوال أمن داخلية، كانت أولى أن تفرضه كأول الأولويات، فغذاء الإرهاب هو غياب الحريات، والساحة الخالية من العمل السياسي مرتع مثالي لكل ما هو غير شرعي؛ فيها ينمو وبها ينفرد، ولو كان الإصلاح الشامل هدفا لكان طريقه تطبيق الدستور.

الدستور بما فيه من حريات وحقوق، وبما قننه من تغول السلطة التنفيذية؛ وما ابتغاه من حياة حزبية فاعلة كشريك في الحكم، لكن العقبة تمثلت في موقف السلطة منه ونظرتها للسياسة والسياسيين واستبعادها لكليهما، وهنا تكمن المشكلة.

فضعف الإعلام لا يرجع لغياب (القيادة الموحدة)، فأقوى وأكبر معاركه من إسقاط الإخوان وما تلاه تمت في غياب هذه القيادة، ثم أضعفه وأفسده دخول الدولة بأجهزتها الأمنية لامتلاكه وإدارته، والاكتفاء بأصحاب الولاء المطلق، وغياب الحريات ومحاربة التعدد، ما أفسد الإعلام هو حضور كل شيء فيه وغياب الإعلام والإعلاميين.

كذلك المصالحة مع الإخوان؛ إن حدثت؛ لن تأتي محمولة على مادة "العدالة الانتقالية" الواردة بالدستور، بل على مناخ أمثل لتسرب وتمدد التيارات الإسلامية بين الأزقة والحارات، جراء قرارات النظام السياسية والاقتصادية؛ والخوف السائد من الملاحقة الأمنية والاستهداف في الرزق، وشعور الغالبية بالندم لالتفافهم حول شخص اعتبروه منقذهم؛ والراعي المدرك لهمومهم ومتاعبهم؛ فإذا به يجمع بين أسوأ ما في نظامين ثاروا ضدهما؛ مبارك والإخوان.

أما عين الخطر ومصدر القلق؛ الزعم أن مصر دولة وشعبا؛ وجودا وتطورا مرهونة بهذا الشخص؛ لا بجيش ولا بمؤسسات ولا بغيره! شخص وحيد هو السياج الذي يحمي ويصون؛ يقف للإخوان ويواجه الإرهاب، كسد وحيد في طريقهم.

القلق ليس على مستقبل الحكم فيما بعد 2022، لأن القلق أكبر فيما قبلها، قلق من القرارات المنفردة؛ من أولويات غير واقعية للمشاريع؛ من خدمات وحقوق في الصحة والتعليم تصل لمن يدفع لا لمن يستحق، من زيادة نسبة الفقر وانهيار الطبقة الوسطى، قلق من طبقة تتكون، مقوماتها المال؛ وأسوار ترتفع لتشكل دولة أخرى وشعبا جديدا لا يمثل نسبة من عموم المصريين.

قلق من التعامل مع ثروات مصر من أرض ومياه وطاقة؛ من القمع وكبت الحريات، قلق من حالة طواريء تتجدد بلا سند دستوري؛ ومن تغول الأجهزة السيادية واختراقها للمجال العام، ومن اتباع نفس نهج الإخوان في احتكار كل من السلطة والحقيقة معا، من أغلبية برلمانية تهدر الدستور وتسعى لتغيير هو تفصيله على مقاس فرد ونظام بعينه، قلق من عدم تأسيس دولة مواطنة وحقوق.

والحال كذلك؛ ماذا تسمي المطالبة بزيادة مدة وفترات الرئاسة! والاستباق بوسم من سيعارض بأنه ينتمي للإخوان أو من لا يتورع عن التحالف معهم، في حين تمثل عملية التغيير فرصة هؤلاء الذهبية لتأكيد ما يرددونه بأن النظام انقلب على الدستور كما انقلب على رئيس منتخب!

نعم قد تكتمل خطوات التغيير الدستوري، وقد تتم إدارة الاستفتاء عليه بنفس طريقة انتخابات 2018، لكن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، سيظل من نافق منافقا، ومن قدم شخصا ونظاما على وطن وشعب مخطئا أو خائنا للثورة ودم شهدائها.

مقالات اخرى للكاتب

إرهاب مَّن يا أستاذ نوح؟

أهم الأخبار

اعلان