21 - 01 - 2019

حكاية الأستاذ ياسر

حكاية الأستاذ ياسر

يدعو الأستاذ ياسر رزق في مقال في " الأخبار " أن يكون عام ٢٠١٩ هو عام الإصلاح السياسي ولكن على طريقته الخاصة .. 

إصلاح سياسي يبدأ بتعديل الدستور الذي أقره الشعب، وتغيير مدد فترات الرئاسة لتصبح ٦ سنوات للمدة الواحدة ليستفيد منها الرئيس الحالي .. 

إصلاح الأستاذ ياسر كما يشرح لنا في مقاله العجيب يبدأ بتعديل المادة ١٤٠ من الدستور والسماح للرئيس الحالي بالاستمرار  ١١ عاما أخرى في السلطة، ثم يتحول بعدها، حسب حكاية الأستاذ ياسر، من رئيس للجمهورية إلى رئيس للجنة حماية الدولة "والثورة " بمشاركة وزير الدفاع ورئيس جهاز المخابرات ورئيس البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية العليا ..

مقال عنوانه الرحمة ومضمونه العذاب، يدس السم في العسل ويتعامل مع المصريين باعتبارهم قطيعا من "السذج" ، يغري بالإصلاح ويخدم من حيث لا يصرح صاحبه فكرة بقاء السيسي رئيسا للأبد، يوحي بتقديم هدايا الإصلاح السياسي ثم سرعان ما تكتشف أنها هدايا من النوع " الفالصو "، يبشر المصريين بالجنة الموعودة لكنه يحاول اقناعهم أن هذا لن يتم إلا بمصادرة حقهم في التداول السلمي للسلطة  .. 

دعك من مقدمة المقال في حكاية الأستاذ ياسر وشرحه الطويل عن ضرورة تعديل المواد الدستورية التي تعالج قضايا الصحة والتعليم والبرلمان والعدالة الانتقالية، فالكل يعلم أن هذه المقدمة مجرد استطراد فارغ و"لف ودوران" مقصود، فالمقال لا يهدف إلا لإقناع الناس بتعديل مدد الرئيس، ومد فترة حكم السيسي، وبقاءه في السلطة سنوات أخرى بعد مدته الدستورية، حتى إن غلف الأستاذ ياسر مقصده بمقدمة إنشائية طويلة عن الفترة الانتقالية والنصوص التي تستحق التعديل، فجميعنا يعلم أن الدستور مجرد حبر على ورق، وقد وصفه السيسي نفسه بأنه دستور "النوايا الحسنة"، والمقصود هنا أنه دستور خيالي، وبناء عليه فلم تحتكم السلطة الحالية لنصوص الدستور، ولم تخصع لأحكامه، ولا أزمة لديها أن تبقى هذه النصوص مجرد جمل مكتوبة في كتاب جميل يسمونه دستورا.

 الكل يعلم أن الأزمة الحقيقية التي تؤرق السلطة الحالية هي المدد الرئاسية، فلن يستطيع أحد تجاوز هذا القيد الدستوري، ولن يستطيع الرئيس الحالي تجاهل المادة ١٤٠ أو الاستمرار في الحكم في وجودها، لذلك كان لابد من البدء في حملة تمهد لتعديل الدستور ومد فترة الرئيس، وهي الحملة التي يبدو أن الأستاذ ياسر قد دشنها في مقاله وعلى طريقته أيضا، أي تقديم هذا العبث بالدستور على إنه بداية طريق الإصلاح السياسي، هذا الإصلاح المشروط، حسب المقال، ببقاء السيسي رئيسا لمدة ١١ عاما على الأقل!! 

أغرب ما في مقال الأستاذ ياسر، ثقته وهو يقول "لست أظن أحداً من النخبة الفكرية والسياسية لا يستشعر الحاجة إلي إجراء تعديل في عدد معتبر من مواد الدستور" وهي ثقة لا أعلم من أين جاء بها، ولا أعلم من هي "النخب السياسية والفكرية" التي يقصدها في مقاله، فالكل يعلم أن القوى المعارضة،  الحقيقية والكتاب والسياسيين المستقلين يرفضون بشكل قاطع أي عبث بالدستور، وأن منطق الأستاذ ياسر وغيره في ضرورة بقاء الرئيس الحالي لأكثر من فترته الدستورية لا يجد قبولا إلا في أوساط المقربين من السلطة أو أصحاب المصالح، وأن كل الإيحاءات في مقال الأستاذ ياسر ووصف رافضي تعديل الدستور بأنهم ينتمون للإخوان المسلمين هو هزل في موضع الجد.

في تاريخنا الحديث كان العبث بالدستور حدثا لا يمر مرور الكرام، فقد عدل السادات الدستور والغى النص الخاص ببقاء الرئيس لمدتين فقط، وتحولت كلمة مدة أخرى في دستور عام ١٩٧١ إلى مدد، ومع ذلك لم يمهله القدر واستفاد من التعديل خلفه الذي استمر في السلطة ٣٠ عاما متصلة، وكلنا ما زلنا نتذكر محاولات حسني مبارك العبث بالدستور ليورث السلطة لنجله، وقطعت ثورة يناير طريق التوريث بحضور جماهيري هائل في الميادين، بعدها حاول محمد مرسي الانفراد بالسلطة عبر إعلان دستوري تم تفصيله، وقد كان هذا الإعلان بداية المواجهة الحقيقية بين مرسي والقوى السياسية وعموم المصريين. 

لا العبث بالدستور سيخلق استقرارا، ولا مصر ستسقط، لا قدر الله، إذا رحل السيسي بعد انتهاء مدته الدستورية، وإذا كان الأستاذ ياسر صادقا في دعوته للإصلاح السياسي الذي تأخر، كما قال بنفسه، فإن هذا الإصلاح يبدأ باحترام نصوص الدستور، وفتح المجال العام، واحترام الحريات العامة وعلى رأسها حريات الرأي والتعبير والصحافة، وإن كان هناك من يريد نصيحة السلطة الحالية بصدق فلتكن هذه النصيحة هي الابتعاد عن العبث بالدستور، والسماح لتجربة التداول السلمي للسلطة أن تستمر برحيل الرئيس الحالي بعد انتهاء فترته الدستورية، وإجراء انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة تنهي عصر السيطرة على السلطة أو تأبيد الرئاسة، فمصر أكبر من الجميع ولديها فائض من الكفاءات التي تستطيع تولي منصب الرئاسة بعد رحيل الرئيس الحالي، وأن الحديث الذي يردده البعض بخبث عن عدم وجود بديل هو مجرد محاولة لتصدير الإحباط لكل دعاة التغيير والمؤمنين بضرورته. 

بقيت ملاحظة من وحي حكاية الأستاذ ياسر: لم أفهم وصفك ليناير بأنها "فورة غضب" وليونيو بأنها ثورة! فكل من شارك في يونيو، التي تم اختطافها، كان يعتبر مشاركته "تعديلا لمسار ٢٥ يناير"، ولولا يناير ما كانت يونيو، وحسب معلوماتي أيضا كان الأستاذ ياسر يصف يناير، حتى وقت قريب،  بأنها ثورة، فما الذي حولها يا ترى من ثورة إلى فورة ؟!  .. إيه الحكاية ؟!
------------------------------
بقلم: عمرو بدر*
* عضو مجلس نقابة الصحفيين

مقالات اخرى للكاتب

انتخابات الصحفيين.. ترمومتر المزاج العام

أهم الأخبار

اعلان