26 - 05 - 2019

"زواج الأطفال" كارثة اجتماعية .. 117 ألفا يلعبون "عريس وعروسة" بموافقة الأهل

مشروع قانون جديد يعاقب كل من ساهم أو ساعد في زواج قاصر بالسجن سبع سنوات

المأذون عمرو أبو العينين: كل محاولات الدولة للحد من ظاهرة زواج الأطفال لم تفلح

د. سوسن فايد: يظل الزواج "لعبة" في نظرهم حتى بعد سن الرشد

مجتمعنا مستهدف والحل في حملات توعوية وتثقيفية

أطفال في زي العريس والعروس٬ ليست لعبة أو مزاحا بين الأطفال٬ أو حتى مشهدا في مسرحية كوميدية٬ ولكنها جزء من المشهد السريالي للمجتمع المصري٬ كلما تناسينا خبر زفاف الأطفال٬ سرعان ما نفاجأ بتجدده٬ ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو٬ أصبح الخبر أكثر تداولا.

فهل ما قاله الأب: "ابني طلب مني أجوزه٬ وما قدرتش أرفض له طلب" هو الحقيقة الوحيدة في الدوافع التي تسوق ابن العاشرة ليتمم خطوبته وسط زغاريد وحفل ومراسم الاحتفال على ابنة التاسعة؟

................

كشف تقرير رسمي أن عدد الأطفال أقل من 18 عاماً في مصر بلغ 39 مليون طفل، بينهم 117 ألفاً متزوجون ومطلقون.

وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 117 ألف طفل في الفئة العمرية من 10 إلى 17 عاما متزوجون أو سبق لهم الزواج، وسجلت محافظات الصعيد أعلى نسبة في زواج الأطفال، وطلاقهم، بينما سجلت محافظات مصر الحدودية وهي البحر الأحمر وسيناء ومرسى مطروح وأسوان أقل نسبة في زواج الأطفال.

من جانبه كشف عبد الحميد شرف الدين رئيس قطاع الإحصاء بالجهاز، أن الجهاز رصد حالات الزواج المبكر في سن الـ 12 والـ 13 والـ 14، ورصد 117 ألف حالة زواج مبكر منها 1000 طفلة مُطلقة.

أعراف

يؤكد الشيخ عمرو أبو العينين المأذون الشرعي أن الظاهرة لم تختف أو تخفت٬ على العكس تتفاقم عاما بعد عام٬ ويقول: للأسف كل محاولات الدولة في الحد من ظاهرة زواج الأطفال لم تفلح٬ ويتم الزواج بين الأطفال وفقا لأعراف العائلات والمجتمع الريفي٬ ومصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحدد سن الزواج٬ وحتى سنة 2008 كان سن الطفولة حتى 16 عاما بالنسبة للبنت٬ وتم إصدار قانون يحدد سن الطفولة للبنات حتى 18 عاما٬ وللذكور حتى 16عاما٬ ورغم ذلك لم يتم القضاء على ظاهرة زواج الأطفال٬ على العكس نجد أن الأمر تفاقم٬ خاصة في المجتمعات الريفية والصعيد.

ويضيف: مع انتشار استخدام الهواتف المحمولة٬ والانترنت أصبح الأهالي يخافون على بناتهم٬ وفي ظل مفاهيم "ستر البنت" السائدة في تلك المناطق٬ فمن الطبيعي أن يقبلوا زواجهم حتى قبل بلوغ السن القانونية.

إيصال أمانة

وأوضح أبو العينين أن المأذون لا يمكنه تسجيل أية بيانات في الأوراق والدفاتر الرسمية٬ وإرجائها حتى بلوغ السن القانونية٬ وقال: «هذه إشاعة» فالأوراق الرسمية معتمدة وبأرقام مسلسلة٬ فلا مجال لتجنيب أية وثيقة٬ وما يحدث أن مثل هذه الزيجات تتم في حضور إمام المسجد أو محامِ أو أحد المشايخ٬ بمبدأ أن الزواج إشهار وقبول٬ فهو من الناحية الشرعية جائز ولكنه مخالف للقانون٬ فالقانون المصري يجرم في مثل هذه الحالات تزوير الأوراق دون أن يجرم الزواج نفسه، فالزوجان هنا وهما الأطفال لا يعاقبان على زواجهما، بل يعاقب المأذون على التزوير،وعادة يلجأ الأهل لإيصالات الأمانة حتى بلوغ الأطفال السن القانونية.

وأكد أنه شهد العديد من هذه الوقائع٬ وأحيانا يضعون المأذون أو الشيخ أمام الأمر الواقع٬ بمعنى أنهم يتممون كل التجهيزات ولا يريدونه أن يفسد عليهم ما جهزوا له٬ فالبعض يضطر للحضور مجاملة٬ ولكن الغالبية تخشى المساءلة القانونية٬ فيتجنب الحضور.

ويرى أن الحل في عدم تقنين سن الزواج٬ ولكن بوجود دورات تدريبية نفسية واجتماعية وطبية للمقبلين على الزواج٬ ومن يجتازها يصرح له بالزواج٬ ولا يتم الزواج إلا بهذه الشهادة المعتمدة٬ على ألا يتم تزويرها أو تقديم الرشاوي أو الحصول عليها بأي طريقة ملتوية وغير رسمية٬ وبهذا تضمن الدولة اختفاء زواج الأطفال أو القاصرات٬ وكذلك الحد من حالات الطلاق٬ وهي تجربة تم تطبيقها في تايلاند واندونيسيا٬ وانخفضت نسب الطلاق هناك من 70%  إلى  42% في العام 2017 ٬ ونتمنى أن يتم تطبيق هذه الدورات في مصر بشكل جدي ومسؤول دون تزوير أو تدليس.

تحصين

وتتفق سوسن مصطفى عضو ائتلاف حقوق الطفل المصري٬بأن المشكلة في الأسر الفقيرة تتعامل مع بعض أئمة المساجد والشيوخ على أن كلامهم مصدق، لأن هذه الفئة من الأهالي متدينة بالفطرة.

وقالت:"تحصين الفتاة من الزواج المبكر يبدأ من تدخل المؤسسات الدينية الكبرى، مثل الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف بتحريم هذه الخطوة٬ لا يمكن أن يتصدى القانون وحده لانتهاكات المجتمع ضد الصغيرات، لأن صمت هذه المؤسسات يجعلها شريكا بشكل غير مباشر في انتشار الظاهرة"

ولا بد من تصنيف المناطق التي تشرع زواج الأطفال وتتعامل مع كل واحدة وفق الأسباب والمبررات، بحيث تغلق كل الثغرات بما يتوافق مع دوافع ظهورها، هل الزواج بسبب الفقر، أم بذريعة تحصين الفتاة من العنوسة، أم لأسباب تتعلق بما يسمى “الستر”، بحيث تكون حملات التوعية مرتبطة بواقع موازي لا مغاير لها.

دوافع

وتري الدكتورة سوسن فايد أستاذ علم الاجتماع السياسي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية٬ أن الظاهرة تعود لأسباب عديدة٬ ترتبط بالبيئة المنخفضة التعليم والثقافة والوعي٬ فالجهل يلعب الدور الأكبر في انتشار هذه المفاهيم٬ وهذا السلوك هو انفعالي عاطفي٬ ليس له مرجعية عقلية أو منطقية٬ وغالبا ما تحكمه درجة من القرابة٬ أو من يريد أن يشعر أن ابنه أصبح رجلا٬ وغالبا مثل هذا الأب يعاني من الفراغ الفكري٬ ويرجع ذلك إلى الاضمحلال الثقافي في المجتمعات الريفية والصحراوية٬ أو التعليم الوهمي٬ فالأب ربما يكون حاصلا على مؤهل دراسي عالي٬ ولكنه في حقيقة الأمر مؤهل وهمي.

وتقول: هذه المجتمعات تعيش حالة من الضبابية٬ والضلالات الفكرية٬ ويأخذون قرارات للفت النظر إليهم٬ وربما جذبتهم حالات الصخب التي احدثتها حالات مشابهة في وسائل التواصل الاجتماعي٬ فيلجأون إلى التقليد وربما المزايدة٬ نظرا لاهتمام الإعلام بهم٬ وهو ما تقع فيه للأسف غالبية وسائل الإعلام بإفراد عدد من ساعات البث الفضائي وتصدر خبر زفاف أصغر عروسين شريط الأخبار٬ واستضافة الأهل والأطفال في البرامج التلفزيونية٬ كل هذه الأضواء تجذب الباحثين عن الشهرة للإقدام على المزيد من الأفعال المستغربة.

فمن يقول بأن طفل العاشرة يمكن أن يكون زوجا؟ ولكن العلاقات في الريف لها طابعها الخاص٬ ودرجة من الحميمية و"العشم" والمجاملات التي تزج بالأطفال في هذه الإشكاليات٬ أما الأهل أو أحدهما فهو إما يبحث عن الانتماء لعائلة كبيرة٬ أو توطيد الصلة مع أسرة ما بهذه الزيجة الوهمية٬ رغم أنه مستقر في وجدانهم أنها إجراء شكلي.

اضطراب

وتوضح أن الأطفال ضحايا للأهل٬ لأنهم سمحوا لهم بمواقف ليست لهم٬ طفل أو طفلة يفرح بحفل٬ هي سعادة من منطلق طفولي٬ ولكنها تحدث بلبلة٬ وخلط للمفاهيم٬ ولا يوضح لهم الأهل ما هي الواجبات والحقوق٬ بما يؤثر على مستقبلهم فيما بعد٬ وينتج عن ذلك الشك في حقيقة الزواج والعلاقة الزوجية حتى بعد سن النضج٬ لأنه ترسخ في وجدانه الاستهتار بهذه العلاقة٬ وعدم جدية الارتباط.

فنحن نحتاج إلى ثورة ثقافية٬ لأننا في مجتمع مستهدف٬ فلابد من برامج ثقافية وتوعوية لإحلال وإبدال هذه المفاهيم الخاطئة من ظواهر التخلف الثقافي٬ وحماية المجتمع من الأسلحة الجديدة التي تسعى إلى تجهيله. 

معنى الأسرة

وتشير الدكتورة نوران فؤاد إلى أن زواج الأطفال في الأقاليم هدفه اقتصادي بحت وليس اجتماعيا، حيث تقوم العائلات بتزويج أطفالها كي تقوم زوجة الابن بالمساعدة في أعمال الحقل والمنزل، وتكوين وحدة منتجة اقتصاديا تزيد من مداخيل العائلة، إلا أن تبعية الزوج لوالده اقتصاديا يعجّل بنهاية زواجه.

وتقول: إن زواج الأطفال تنتج عنه مشكلات كبيرة٬ أبرزها أن الزوجين لم تكتمل لديهما المدركات النفسية ولم تصل للقدر الكافي الذي يؤهلهما للزواج، وتحمّل تبعاته وأعبائه، وبالتالي لا يكون لديهما الفهم السليم لمعنى الأسرة، وإنجاب الأطفال ورعايتهم، وعندما تنجب هذه الأسرة أطفالا فمن المؤكد أن هؤلاء الصغار لن يحصلوا على الدعم النفسي والاجتماعي الواجب من والديهما، مضيفة أن المشكلة الأخرى اقتصادية بحتة، فالطفل الزوج ليس قادرا ماديا على الإنفاق على أسرته، ويظل معتمدا على والده، ومن هنا تنشأ المشكلات وتتحول الأسرة الصغيرة لأسرة تابعة وليس أسرة مستقلة.

وتضيف أن المشكلات الاجتماعية الناجمة عن عدم استقلالية الزوج الطفل تؤدي للطلاق سريعا، فعدم قدرة الزوج ماديا واحتياجه لوالده أو والدته يجعل الأخيرين يسيطران على القرار في المنزل، وعليه يجب أن تخضع الزوجة الطفلة وتنصاع لتلك القرارات، وهو ما يتسبب في إثارة المشاكل التي قد تؤدي للانفصال والطلاق.

تشريع

ومن جهة أخرى يستعد مجلس النواب خلال أيام لمناقشة مشروع قانون مقدم من وزارة العدل، تتوقع المصادقة عليه قريبا، ويعاقب كل من ساعد وساهم ودعم وسهل زواج القاصر، بالحبس المشدد مدة لا تقل عن سبع سنوات، سواء المأذون أو أقارب الفتاة أو أقارب الزوج، وأئمة المساجد الذين يقومون بتزويج الفتيات القاصرات.

ولا تتعدى العقوبة الحالية أكثر من عام واحد، ويعاقب فيها والد الطفلة فقط، لكن التشريع الجديد يمثل سابقة أولى بأن يكون هناك “حظر نهائي لهذا النوع من الزواج”، بعد اعتباره جريمة وتكون العقوبة موجهة لكل الأطراف.

وتتعامل الحكومة المصرية مع الأمومة المبكرة باعتبارها قضية أمن قومي، لأنها أحد مسببات الانفجار السكاني المتهم بأنه أكبر عائق أمام التنمية المستدامة.

وما يميز مشروع القانون، أنه يحمل رسالة ترهيب شديدة اللهجة لمن يفكرون في تزويج قاصر، لأنه ينص على العزل من وظائفهم بعد ثبوت التهمة عليهم، سواء والدها أو والد زوجها أو المأذون، أو الموظفون الحكوميون الآخرون الذين يسهلون إضفاء الشرعية على هذا الزواج.

ومن بين هؤلاء؛ العاملون بمكاتب الصحة التابعة لها الأسرة، وهم أحد أهم أسباب انتشار الظاهرة لأنهم يقومون بتسجيل أبناء القاصرات دون اشتراط عقد زواج رسمي، مقابل مبالغ مالية، وكان تسجيل الأطفال لا يمثل مشكلة لهذه الزيجات.

وقررت وزارة العدل تطوير عقود الزواج لعدم التلاعب أو التزوير، عن طريق وضع علامة مائية على الوثيقة، ولا يعتد بسواها في المؤسسات الحكومية، على أن تكون بطاقة الرقم القومي (الهوية الشخصية) السبيل الوحيد للتأكد من بلوغ الزوجين السن القانونية، وتكون الشرط الأساسي لتحرير العقد. ويعني ذلك، أن الحكومة قررت إلغاء الشهادات الطبية المعروفة بـ “شهادات التسنين”، التي كانت تستخدم كبديل عن بطاقات الرقم القومي لتحديد سن الفتاة، ويسهل تزويرها، وبالتالي غلق أهم ثغرة في رحلة الزواج المبكر.

صدمة

ووفق التعداد السكاني الأخير في مصر لعام 2017، فإن هناك الآلاف من الفتيات تزوجن وهن في سن الثانية عشرة، بينهن مطلقات وأرامل الآن، ما تسبب في صدمة لجهات تنفيذية وتشريعية حول طريقة اختراق القوانين التي تمنع الزواج لمن هن دون سن الـ 18عاما. وتبيّن للحكومة والبرلمان أن الأسباب الرئيسية للأمومة المبكرة، تنحصر في المأذون الشرعي وانتشار التعامل بالشهادات الطبية في تحديد السن وسهولة تسجيل أبناء القاصرات بمكاتب الصحة، ما يعكس أن مواد القانون الجديد تستهدف مواجهة ثغرات مرتبطة بصميم الأزمة.

وتنتشر الأمومة المبكرة بشكل لافت بين الأسر الفقيرة وفي المناطق الريفية والشعبية وصعيد مصر، لأن الأسرة تنتظر بلوغ الفتاة في أسرع وقت حتى تقوم بتزويجها والتخلص من أعبائها المادية، نظرا للظروف المعيشية الصعبة، والاعتقاد بأن زواجها يخفف من الأعباء الواقعة على الأسرة.

ويحظى التشريع الجديد بتأييد واسع بين أعضاء مجلس النواب، لا سيما وأن التصدي لزواج الأطفال يتمتع بدعم رئاسي كبير، لكن تظل هناك إشكالية كبرى أمام الحكومة لتحقيق الأهداف المرجوة من القانون، وتتمثل في أميّة أكثر الأسر التي تؤمن بزواج القاصرات.
-----------------
تحقيق – آمال رتيب



أهم الأخبار

اعلان